تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: من الطبيعي أن يحسن المعتدى عليه إلى المعتدي، وأن يشكر له أن تسبب له في هذه النعم ولذلك يقول الحسن البصري - رحمه الله: أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي؟ فالإحسان: أن تصنع فوق ما فرض الله عليك، بشرط أن يكون من جنس ما فرض الله عليك، ومن جنس ما تعبدنا الله به، فمثلا تعبدنا الله بخمس صلوات في اليوم والليلة فلا مانع من الزيادة عليها من جنسها، وكذلك الأمر في الزكاة والصيام والحج. والإحسان هنا يكون بزيادة ما فرضه الله علينا. وقد يكون الإحسان في الكيفية دون زيادة في العمل، فلا أزيد مثلا عن خمس صلوات، ولكن أحسن ما أنا بصدده من الفرض، وأتقن ما أنا فيه من العمل، وأخلص في ذلك عملا بحديث جبريل عليه السلام - حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال:

" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

فعليك أن تستحضر في عبادتك ربك عز وجل بجلاله وجماله وكماله، فإن لم تصل إلى هذه المرتبة فلا أقل من أن تؤمن أنه يراك ويطلع عليك، وهذه كافية لأن تعطي العبادة حقها ولا تسرق منها، فاللص لا يجرؤ على سرقة البيت وهو يعلم أن صاحبه يراه، فإذا كنا نفعل ذلك مع بعضنا البعض فيخشى أحدنا نظر الآخرين، أيليق بنا أن نتجرأ على الله ونحن نعلم نظره إلينا؟! ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي:

" يا عبادي، إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ".

وقال بعضهم في معنى العدل والإحسان: العدل: أن تستوي السريرة مع العلانية. والإحسان: أن تعلو السريرة وتكون أفضل من العلانية. والمنكر: إن علت العلانية على السريرة. وقوله تعالى: ﴿ وإيتآء ذي القربى ﴾ [النحل: 90]. إيتاء: أي إعطاء. قالوا: لأن العالم حلقات مقترنة، فكل قادر حوله أقرباء ضعفاء محتاجون، فلو أعطاهم من خيره، وأفاض عليهم مما أفاض الله عليه لعم الخير كل المجتمع، وما وجدنا معوزا محتاجا ذلك لأن هذه الدوائر ستشمل المجتمع كله، كل قادر يعطي من حوله. وقد تتداخل هذه الدوائر فتلتحم العطاءات وتتكامل، فلا نرى في مجتمعنا فقيرا، وقد حثت الآية على القريب، وحننت عليه القلوب لأن البعيد عنك قريب لغيرك، وداخل في دائرة عطاء أخرى. وقد يكون الفقير قريبا لعدة أطراف يأخذ من هذا ويأخذ من هذا، وبذلك تتكامل الحياة وتستطرق موارد العيش لكل الناس. وقالوا: المراد هنا قرابة النبي صلى الله عليه وسلم لأن قرابة النبي صلى الله عليه وسلم حرمت عليهم الزكاة التي أحلت لغيرهم من الفقراء، وأصبح لهم ميزة يمتازون بها عن قرابة الرسول، ولا يليق بنا أن نجعل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى الزكاة، وإن كان أقرباؤكم أصحاب رحم، فلا تنسوا أن قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من أرحامكم، كما قال تعالى:

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم..

[الأحزاب: 6]. هذه هي مجموعة الأوامر الواردة في هذه الآية، وإن مجتمعا ينفذ مثل هذه الأوامر ويتحلى بها أفراده، مجتمع ترتقي فيه الاستعدادات الخلقية، إلى أن يترك الإنسان العقوبة والانتقام ويتعالى عن الاعتداء إلى العفو، بل إلى الإحسان، مجتمع تعم فيه النعمة، ويستطرق فيه الخير إلى كل إنسان. إن مجتمعا فيه هذه الصفات لمجتمع سعيد آمن يسوده الحب والإيمان والإحسان، إنه لجدير بالصدارة بين أمم الأرض كلها. وقوله: ﴿ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.. ﴾ [النحل: 90]. وهذه مجموعة من النواهي تمثل مع الأوامر السابقة منهجا قرآنيا قويما يضمن سلامة المجتمع، وأولى هذه النواهي النهي عن الفحشاء أو الفاحشة، والمتتبع لآيات القرآن الكريم سيجد أن الزنا هو الذنب الوحيد الذي سماه القرآن فاحشة، فهي إذن الزنا، أو كل شيء يخدش حكما من أحكام الله تعالى، ولكن لماذا الزنا بالذات؟ نقول: لأن كل الذنوب الأخرى غير الزنا إنما تتعلق بمحيطات النفس الإنسانية، أما الزنا فيتعلق بالنفس الإنسانية ذاتها، ويترتب عليه اختلاط الأنساب وبه تدنس الأعراض، وبه يشك الرجل في أهله وأولاده، ويحدث بسبب هذا من الفساد ما لا يعلمه إلا الله لذلك نص عليه القرآن صراحة في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٣٧