ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا
[الإسراء: 32]. ومن أقوال العلماء في الفاحشة: أنها الذنب العظيم الذي يخجل صاحبه منه ويستره عن الناس، فلا يستطيع أن يجاهر به، كأنه هو نفسه حينما يقع فيه يعلم أنه لا يصح، ولا ينبغي لأحد أن يطلع عليه. والمنكر هو الذنب يتجرأ عليه صاحبه، ويجاهر به، ويستنكره الناس. إذن: لدينا هنا مرتبتان من الذنب: الأولى: أن صاحبه يتحرج أن يعرفه المجتمع فيستره في نفسه، وهذا هو الفحشاء. والثانية: ما تعالم به صاحبه وأنكره المجتمع، وهذا هو المنكر. والبغي هو الظلم في أي لون من ألوانه، وهو داخل في أشياء كثيرة أعظمها ما يقع في العقيدة من الشرك بالله، كما قال تعالى:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]. والظلم هنا أن تسلب الحق - تبارك وتعالى - صفة من صفاته، وتشرك معه غيره وهو خلقك ورزقك، ومنه ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يجرب عليه في يوم من الأيام أن قال خطبة أو ألقى قصيدة، كما لم يجرب عليه الكذب أو غيره من الصفات الذميمة، ومع هذا كله قالوا عنه حينما نزل عليه القرآن كذاب وساحر ومجنون، وأي ظلم أعظم من هذا؟ ومن الظلم ظلم الإنسان لنفسه حينما يحقق لها شهوة عاجلة ومتعة زائفة، تورثه ندما وحسرة وألما آجلا، وبذلك يكون قد ظلم نفسه ظلما كبيرا وجر عليها ما لا تطيق، ذلك فضلا عن ظلم الإنسان لغيره بشتى أنواع الظلم وأشكاله.
إذن: الآية انتظمت مجموعة من الأوامر والنواهي التي تضمن سلامة المجتمع بما جمعت من مكارم الأخلاق، والأخلاق أعم من أن تكون في الاعتقادات، وأعم من أن تكون في المعجزة إيمانا بها، وأعم من أن تكون في التكاليف، وأعم من أن تكون في أمر لا حد فيه ولا حكم ولا إثم. وقوله: ﴿ يعظكم.. ﴾ [النحل: 90]. الوعظ: تذكير بالحكم، فعندنا أولا إعلام بالحكم لكي نعرفه، ولكنه عرضة لأن نغفل عنه، فيكون الوعظ والتذكير به، ونحتاج إلى تكرار ذلك حتى لا نغفل. وعادة لا تكون العظة إلا فيما له قيمة، وما دام الشيء له قيمة فلا تصطفي له إلا من تحب، كذلك الحق - تبارك وتعالى - يحب خلقه وصنعته لذلك يعظهم ويذكرهم باستمرار لكي يكونوا دائما على الجادة ليتمتعوا بنعم المسبب في الآخرة، كما تمتعوا بنعمة الأسباب في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأوفوا بعهد الله... ﴾.