ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
[البقرة: 222]. وكذلك لو أخذنا الناحية الاقتصادية في حياتنا، والتي هي عصب الحياة، والتي بها يتم استبقاء الحياة بالطعام والشراب والملبس وغيره، وبها يتم استبقاء النوع بالزواج، وكل هذا يحتاج إلى حركة إنتاج، وإلى حركة استهلاك، وبالإنتاج والاستهلاك تستمر الحياة، ولو توقف أحدهما لحدث في المجتمع بطالة وفساد. وبناء عليه وزع الحق سبحانه وتعالى المواهب بين العباد، فما أعرفه أنا أخدم به الكل، وما يعرفه الكل يخدمني به، وهكذا تستمر حركة الحياة. والكون الذي تعيش فيه أنت لك فيه مصالح وتراودك فيه آمال، فإن شاركت في حركة الحياة واكتسبت المال الذي هو عصب الحياة فعليك أن توازن بين متطلباتك العاجلة وآمالك في المستقبل. فلو أنفقت جميع ما اكتسبت في نفقاتك الحاضرة فقد ضيعت على نفسك تحقيق الآمال في المستقبل، فلن تجد ما تبني به بيتا مثلا أو تشتري به سيارة، أو ترتقي بمستواك ببعض كماليات الحياة. وهذا ما نسميه الإسراف. وفي المقابل، كما لا يليق بك الإسراف حتى لا يبقى عندك شيء، وكذلك لا يليق بك التقتير والبخل والإمساك فتكنز كل ما تكتسب، ولا تنفق إلا ما يمسك الرمق لأنك في هذه الحالة لن تساهم في عملية الاستهلاك، فتكون سببا في بطالة المجتمع وفساد حاله. وقد عالج القرآن هذه القضية علاجا دقيقا في قوله تعالى:
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا
[الإسراء: 29]. أي: لا تمسك يدك بخلا وتقتيرا، فتكون ملوما من أهلك وأولادك، ومن الدنيا من حولك، فيكرهك الجميع، وكذلك لا تبسط يدك بالإنفاق بسطا يصل إلى حد الإسراف والتبذير، فيفوتك تحقيق الآمال وتتحسر حينما ترى المقتصد قد حقق ما لم تستطع أنت تحقيقه من آمال الحياة، وترقى هو في حياته وأنت معدم لا تملك شيئا، فكان عليك أن تدخر جزءا من كسبك يمكنك أن ترتقي به حينما تريد. ولذلك قال تعالى:
إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين
[الإسراء: 27]. وقال:
والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما
[الفرقان: 67]. إذن: فالعدل أمر دائر في كل حركات التكليف، سواء كان تكليفا عقديا، أو تكليفا بواسطة الأعمال في حركة الحياة، فالأمر قائم على الوسطية والاعتدال، ومن هنا قالوا: خير الأمور الوسط. وقوله: ﴿ والإحسان.. ﴾ [النحل: 90]. ما الإحسان؟ إذا كان العدل أن تأخذ حقك، وأن تعاقب بمثل ما عوقبت به كما قال تعالى:
فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم..
[البقرة: 194]. وقوله:
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..
[النحل: 126]. فالإحسان أن تترك هذا الحق، وأن تتنازل عنه ابتغاء وجه الله، عملا بقوله تعالى:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. والناس في الإحسان على مراتب مختلفة حسب قدرة الإنسان واستعداده الخلقي. وأول هذه المراتب كظم الغيظ، من كظم القربة المملوءة، فالإنسان يكظم غيظه في نفسه، ويحتمل ما يعتلج بداخله على المذنب دون أن يتعدى ذلك إلى الانفعال والرد بالمثل، ولكنه يظل يعاني ألم الغيظ بداخله وتتأجج ناره في قلبه. لذلك يحسن الترقي إلى المرتبة الأعلى، وهي مرتبة العفو، فيأتي الإنسان ويقول: لماذا أدع نفسي فريسة لهذا الغيظ؟ لماذا أشغل به نفسي، وأقاسي ألمه ومرارته؟ فيميل إلى أن يريح نفسه ويقتلع جذور الغيظ من قلبه، فيعفو عمن أساء إليه، ويخرج المسألة كلها من قلبه. فإن ارتقى الإنسان في العفو، سعى إلى المرتبة الثالثة، وهي مرتبة أن تحسن إلى من أساء إليك، وتزيد عما فرض لك حيث تنازلت عن الرد بالمثل، وارتقيت إلى درجة العارفين بالله، فالذي اعتدى اعتدى بقدرته، وانتقم بما يناسبه، والذي ترقى في درجات الإحسان ترك الأمر لقدرة الله تعالى، وأين قدرتك من قدرة ربك سبحانه وتعالى؟ إذن: فالإحسان اجمل بالمؤمن، وأفضل من الانتقام. لكن كيف يصل الأمر إلى أن تعفو عمن أساء، بل إلى أن تحسن إليه؟ نقول: هب أن لك ولدين اعتدى أحدهما على الآخر وأساء إليه، فماذا يكون موقفك منهما؟ وإلى أيهما يميل قلبك؟ لا شك أن القلب هنا يميل إلى المعتدى عليه، وقد يتعدى الأمر إلى أن ترضيه بهدية وتريه من حنانك وألطافك ما يذهب عنه ما يعاني، والسبب في ذلك إساءة أخيه له فهي التي عطفت قلبك إليه، وعادت عليه بالهدايا والألطاف.