تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرنا الله جهرة

[النساء: 153]. فهم لا يفهمون الغيب ولا يقتنعون به، فكان المناسب لهم القصاص ولا بد، ولو تركهم الحق سبحانه لكثر فيهم القتل، فهم لا ينتهون إلا بهذا الحكم الرادع: من قتل يقتل، والقتل أنفى للقتل.

وقد تعدى بنو إسرائيل في طلبهم رؤية الله، فكونك ترى الإله تناقض في الألوهية لأنك حين تراه عينك فقد حددته في حيز. إذن: كونه لا يرى عين الكمال فيه سبحانه وتعالى. وكيف نطمع في رؤيته جل وعلا، ونحن لا نستطيع رؤية حتى بعض مخلوقاته، فالروح التي بين جنبي كل منا ماذا نعرف عن طبيعتها وعن مكانها في الجسم، وبها نتحرك ونزاول أعمالنا، وبها نفكر، وبها نعيش، أين هي؟! فإذا ما فارقت الروح الجسم وأخذ الله سره تحول إلى جيفة يسارع الناس في مواراتها التراب. هل رأيت هذه الروح؟ هل سمعتها؟ هل أدركتها بأي حاسة من حواسك؟! فإذا كانت الروح وهي مخلوقة لله يعجز العقل عن إدراكها، فكيف بمن خلق هذه الروح؟ فمن عظمته سبحانه أنه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار. كذلك هناك أشياء مما يتطلبها الدين كالحق مثلا، وهو معنى من المعاني التي يدعيها كل الناس، ويطلبون العمل بها، هذا الحق ما شكله؟ ما لونه؟ طويل أم قصير؟! فإذا كنا لا نستطيع أن نتصور الحق وهو مخلوق لله سبحانه، فكيف نتصور الله ونطمع في رؤيته؟! ومن إسراف بني إسرائيل في المادية أن جعلوا لله تعالى في التلمود جماعة من النقباء، وجعلوه سبحانه قاعدا على صخرة يدلي رجليه في قصعة من المرمر، ثم أتى حوت.. الخ.. سبحان الله ألهذا الحد وصلت بهم المادية؟ ومن هنا كان الكون في حاجة إلى طاقة روحية، تكون هي أيضا مسرفة في الروحانية ليحدث نوع من التوازن في الكون، فجاءت شريعة عيسى - عليه السلام - بعد مادية مفرطة وإسراف في الموسوية، فكيف يكون حكم القصاص فيها وهي تهدف إلى أن تسمو بروحانيات الناس؟ جاءت شريعة عيسى عليه السلام تهدىء الموقف إذا حدث قتل، فيكفي أن قتل واحد ولنستبقي الآخر ولا نثير ضجة، ونهيج الأحقاد والترة بين الناس، فدعت هذه الشريعة إلى العفو عن القاتل. ثم جاء الإسلام ووقف موقف العدل والوسطية في هذا الحكم، فأقر القصاص ودعا إلى العفو، فأعطى ولي المقتول حق القصاص، ودعاه في نفس الوقت إلى العفو في قوله تعالى:

فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان..

[البقرة: 178]. ونلاحظ هنا أن القرآن جعلهم إخوة ليرقق القلوب ويزيل الضغائن. وللقصاص في الإسلام حكم عالية، فليس الهدف منه أن يضخم هذه الجريمة، بل يهدف إلى حفظ حياة الناس كما قال تعالى:

ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب..

[البقرة: 179]. فمن أراد أن يحافظ على حياته فلا يهدد حياة الآخرين. وحينما يعطي ربنا تبارك وتعالى حق القصاص لولي المقتول ويمكنه منه تبرد ناره، وتهدأ ثورته، فيفكر في العفو وهو قادر على الانتقام، وهكذا ينزع هذا الحكم الغل من الصدور ويطفىء نار الثأر بين الناس.

ولذلك نرى في بعض البلاد التي تنتشر فيها عملية الثأر يأتي القاتل حاملا كفنه على يده إلى ولي المقتول، ويضع نفسه بين يديه معترفا بجريمته: هاأنا بين يديك اقتلني وهذا كفني. ما حدث ذلك أبدا إلا وعفا صاحب الحق وولي الدم، وهذا هو العدل الذي جاء به الإسلام، دين الوسطية والاعتدال. هذا العفو من ولي الدم أداة بناء، ووسيلة محبة، فحين نعطيه حق القصاص، ثم هو يعفو، فقد أصبحت حياة القاتل هبة من ولي الدم، فكأنه استأثره واستبقاه بعفوه عنه، وهذا جميل يحفظه أهل القاتل، ويقولون: هذا حقن دم ابننا. موقف آخر لعدالة الإسلام ووسطيته نراها في حكم الحيض مثلا، ففي شريعة موسى - عليه السلام - يخرج الزوج زوجته من البيت طوال مدة الحيض لا يجمعهما بيت واحد. وفي شريعة عيسى - عليه السلام - لا مانع من وجودها في البيت، ولا مانع من معاشرتها والاستمتاع بها. فجاء الإسلام بالعدل في هذه القضية فقال: تبقى المرأة الحائض في بيتها لا تخرج منه، ولكن لا يقربها الزوج طوال مدة الحيض، فقال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٣٥