وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض..
[المؤمنون: 91]. وقال:
لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا..
[الأنبياء: 22]. فكيف الحال إذا أراد الأول شيئا، وأراد الآخر ألا يكون هذا الشيء؟ فإن كان الشيء كان عجزا في الثاني، وإن لم يكن كان عجزا في الأول.. إذن: فقوة أحدهما عجز في الآخر. ونلحظ في قوله تعالى: ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين.. ﴾ [النحل: 51]. عظة بليغة، كأنه سبحانه حينما دعانا إلى توحيده يقول لنا: أريحوا أنفسكم بالتوحيد، وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الراحة في قوله:
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
[الزمر: 29]. يعني رجل خلص لسيد واحد، ورجل أسياده كثيرون، وهم شركاء مختلفون، فإن أرضى هذا أغضب ذاك، وإن احتاجه أحدهما تنازعه الآخر. فهو دائما متعب مثقل، أما المملوك لسيد واحد فلا يخفي ما فيه من راحة. ففي أمره سبحانه بتوحيده راحة لنا، وكأنه سبحانه يقول: لكم وجهة واحدة تكفيكم كل الجهات، وتضمن لكم أن الرضا واحد، وأن البغض واحد. إذن: فطلبه سبحانه راحة لنا لذلك قبل أن يطلبها منا شهد بها لذاته تعالى، فقال:
شهد الله أنه لا إله إلا هو..
[آل عمران: 18]. فلو قال معترض: كيف يشهد لذاته؟ نقول: نعم، يشهد لذاته سبحانه لأنه لا أحد غيره.. لا أحد معه، فشهادة الذات للذات هنا شيء طبيعي.. وكأنه سبحانه يقول: لا أحد غيري، وإن كان هناك إله غيري فليرني نفسه، وليفصح عن وجوده. أنا الله خلقت الكون وأخذته وفعلت كذا وكذا، فإما أن أكون صادقا فيما قلت وتنتهي المسألة، وإما أن أكون غير صادق، وهناك إله آخر هو الذي خلق.. فأين هو؟ لماذا لا يعارضني؟ وهذا لم يحدث ولم ينازع الله في خلقه أحد، وحين تأتي الدعوى بلا معاند ولا معارض تسلم لصاحبها. فإن قال قائل: لعل الآلهة الأخرى لم تدر بأن أحدا قد أخذ منهم الألوهية، فإن كان الأمر كذلك فهم لا يصلحون للألوهية لعدم درايتهم، وإن دروا ولم يعارضوا فهم جبناء لا يستحقون هذه المكانة. وبشهادته سبحانه لذاته بأنه لا إله إلا هو أقبل على خلق الخلق لأنه ما دام يعرف أنه لا إله غيره، فإذا قال: " كن " فهو واثق أنه سيكون. ولذلك ساعة يحكم الله حكما غيبيا يقول: أنا حكمت هذا الحكم مع أنكم مختارون في أن تفعلوا أو لا تفعلوا، ولكني حكمت بأنكم لا تفعلون، وما دمت حكمت بأنكم لا تفعلون ولكم قدرة أن تفعلوا، ولكن ما فعلتم، فهذا دليل على أنه لا إله غيري يعينكم على أن تفعلوا. ثم شهدت الملائكة على شهادة الذات، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال، كما قال تعالى:
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم..
[آل عمران: 18]. لنا هنا وقفة مع قوله تعالى: ﴿ إلهين اثنين.. ﴾ [النحل: 51]. فعندنا العدد، وعندنا المعدود، فإذا قلنا مثلا: قابلت ثلاثة رجال، فكلمة " ثلاثة " دلت على العدد، وكلمة " رجال " دلت على جنس المعدود، وهكذا في جميع الأعداد ما عدا المفرد والمثنى، فلفظ كل منهما يدل على العدد والمعدود معا. كما لو قلت: إله. فقد دلت على الوحدة، ودلت على الجنس، وكذلك " إلهين " دلت على المثنى وعلى جنس المعدود. ولذلك كان يكفي في الآية الكريمة أن يقول تعالى: لا تتخذوا إلهين لأنها دلت على العدد وعلى المعدود معا، ولكن الحق تبارك وتعالى أراد هذا تأكيدا للأمر العقدي لأهميته. ومن أساليب العرب إذا أحبوا تأكيد الكلام أن يأتوا بعده بالمراد. فيقولون: فلان قسيم وسيم، وفلان حسن بسن، وفلان شيطان ليطان، يريدون تأكيد الصفة.. وكذلك في قوله: ﴿ إلهين ﴾ فقط تثبت الألوهية، ولتأكيد هذه القضية العقدية لأنها أهم القضايا بالنسبة للإنسان، وهي قضية القمة، فقال تعالى: ﴿ إلهين اثنين.. ﴾ [النحل: 51]. وكذلك أيضا في قوله: { إنما هو إله واحد.