تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أستكبرت أم كنت من العالين

[ص: 75]. أي: أستكبرت أن تسجد؟ أم كنت من الصنف الملكي العالي؟.. هذا الصنف من الملائكة ليس لهم علاقة بالإنسان، وكل مهمتهم التسبيح والذكر، وهم المعنيون بقوله تعالى:

يسبحون اليل والنهار لا يفترون

[الأنبياء: 20]. كل شيء - إذن - في الوجود خاضع لمرادات الحق سبحانه منه، إلا ما استثنى الله فيه الإنسان بالاختيار، فالله سبحانه لم يقهر أحدا، لا الإنسان ولا الكون الذي يعيش فيه، فقد عرض الله سبحانه الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. وكأنها قالت: لا نريد أن نكون مختارين، بل نريد أن نكون مسخرين، ولا دخل لنا في موضوع الأمانة والتكليف!! لماذا - إذن - يأبى الكون بسمائه وأرضه تحمل هذه المسئولية؟ نقول: لأن هناك فرقا بين تقبل الشيء وقت تحمله، والقدرة على الشيء وقت أدائه.. هناك فرق.. عندنا تحمل وعندنا أداء.. وقد سبق أن ضربنا مثلا لتحمل الأمانة وقلنا: هب أن إنسانا أراد أن يودع عندك مبلغا من المال مخافة تبديده لتحفظه له لحين الحاجة إليه، وأنت في هذا الوقت قادر على التحمل وتنوي أداء أمانته إليه عند طلبها وذمتك قوية، ونيتك صادقة. وهذا وقت تحمل الأمانة، فإذا ما جاء وقت الأداء، فربما تضطرك الظروف إلى إنفاق هذا المال، أو يعرض لك عارض يمنعك من الأداء أو تتغير ذمتك. إذن: وقت الأداء شيء آخر. لذلك، فالذي يريد أن يبرىء ذمته لا يضمن وقت الأداء ويمتنع عن تحمل الأمانة ويقول لنفسه: لا، إن كنت أضمن نفسي وقت التحمل فلا أضمن نفسي وقت الأداء. هذا مثال لما حدث من السماء والأرض والجبال حينما رفضت تحمل الأمانة، ذلك لأنها تقدر مسئوليتها وثقلها وعدم ضمان القيام بحقها، لذلك رفضت تحملها من بداية الأمر.

وكذلك يجب أن يكون الإنسان عاقلا عند تحمل الأمانات ولذلك يقول تعالى:

وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. ما الذي جهله الإنسان؟ جهل تقدير حالة وقت أداء الأمانة، فظلم نفسه، ولو أنه خرج من باب الجمال كما يقولون لقال: يا رب اجعلني مثل السماء والأرض والجبال، وما تجريه علي، فأنا طوع أمرك. ولذلك، فمن عباد الله من قبل الاختيار وتحمل التكليف، ولكنه خرج عن اختياره ومراده لمراد ربه وخالقه، فقال: يا رب أنت خلقت فينا اختيارا، ونحن به قادرون أن نفعل أو لا نفعل، ولكنا تنازلنا عن اختيارنا لاختيارك، وعن مرادنا لمرادك، ونحن طوع أمرك.. هؤلاء هم عباد الله الذين استحقوا هذه النسبة إليه سبحانه وتعالى. إذن: هناك فرق بين من يفعل اختيارا مع قدرته على ألا يفعل، وبين من يفعل بالقهر والتسخير.. فالأول مع أنه قادر ألا يفعل، فقد غلب مراد ربه في التكليف على مراد نفسه في الاختيار. ثم ينتقل الحق - تبارك وتعالى - إلى قمة القضايا العقدية بالنسبة للإنسان، فيقول تعالى: ﴿ وقال الله لا تتخذوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٧٩