تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".

ولنتعلم ما علمه رسول الله لعائشة أم المؤمنين. لقد سألت رسول الله إذا صادفت ليلة القدر فقالت: إن أدركتني هذه الليلة بماذا أدعو؟ انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علم أم المؤمنين عائشة أن تدعو بمقاييس الخير الواسع فقال لها:

" قولي: اللهم إنك تحب العفو فاعف عني ".

ولا يوجد جمال أحسن من العفو، ولا يوجد خير أحسن من العفو، فلا أقول أعطني، أعطني لأن هذا قد ينطبق عليه قول الحق:

ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا

[الإسراء: 11]. فمن يقول: لقد دعوت ربي فلم يستجب لي، نقول له: لا تكن قليل الفطنة فمن الخير لك أنك لا تجاب إلى ما طلبت فالله يعطيك الخير في الوقت الذي يريده. وبعد ذلك يترك الحق لبعض قضايا الوجود في المجتمع أن تجيبك إلى شيء ثم يتبين لك منه الشر، لتعلم أن قبض إجابته عنك كان هو عين الخير، ولذلك فإن الدعاء له شروط، فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى الطيب من الرزق. فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قوله:

" ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له "

إن الرسول يكشف أمامنا كيف يفسد جهاز الإنسان الذي يدعو، لذلك فعدم إجابة الدعوة إما لأن جهاز الدعوة جهاز فاسد، وإما لأنك دعوت بشيء تظن أن فيه الخير لك لكن الله يعلم أنه ليس كذلك، ولهذا يأخذ بيدك إلى مجال حكمته، ويمنع عنك الأمر الذي يحمل لك الشر. وشيء آخر، قد يحجب عنك الإجابة، لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك في خير الدنيا الفانية، وهو يحبك فيبقي لك الإجابة إلى خير الباقية، وهذه ارتقاءات لا ينالها إلا الخاصة، وهناك ارتقاءات أخرى تتمثل في أنه ما دام الدعاء فيه ذلة وخضوع فقد يطبق الله عليك ما جاء في الحديث القدسي:

" ينزل الله تعالى في السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم ".

ولأن الإنسان مرتبط بمسائل يحبها، فما دامت لم تأت فهو يقول دائما يا رب. وهذا الدعاء يحب الله أن يسمعه من مثل هذا العبد فيقول:

" إن من عبادي من أحب دعاءهم فأنا أبتليهم ليقولوا: يا رب "

إن الإنسان المؤمن لا يجعل حظه من الدعاء أن يجاب، إنما حظه من الدعاء ما قاله الحق:

قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعآؤكم..

[الفرقان: 77]. إن معنى الربوبية والمربوبية أن تقول دائما: " يا رب ". واضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الأب قد يعطي ابنه مصروف اليد كل شهر، والابن يأخذ مصروف اليد الشهري ويغيب طوال الشهر ولا يحرص على رؤية والده. لكن الأب حين يعطي مصروف اليد كل يوم، فالابن ينتظر والده، وعندما يتأخر الوالد قليلا فإن الابن يقف لينتظر والده على الباب لقد ربط الأب ابنه بالحاجة ليأنس برؤياه. والحق سبحانه يضع شرطا للاستجابة للدعاء، وهو أن يستجيب العبد لله سبحانه وتعالى فيما دعاه إليه. عندئذ سيكون العباد أهلا للدعاء، ولذلك قال الحق في الحديث القدسي:

" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".

ومثال ذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، قال له جبريل: ألك حاجة؟. لم ينف أن له حاجة، فلا يوجد استكبار على البلوى، ولكنه قال لجبريل: أما إليك فلا، صحيح أن له حاجة إنما ليست لجبريل، لأنه يعلم جيدا أن نجاته من النار المطبوعة على أن تحرق وقد ألقي فيها، هي عملية ليست لخلق أن يتحكم فيها ولكنها قدرة لا يملكها إلا من خلق النار. فقال لجبريل: أما إليك فلا، وعلمه بحالي يغني عن سؤالي. لذلك جاء الأمر من الحق:

قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم

[الأنبياء: 69]. ولنتعلم من الإمام علي كرم الله وجهه حين دخل عليه إنسان يعوده وهو مريض فوجده يتأوه، فقال له: أتتأوه وأنت أبو الحسن. قال: أنا لا أشجع على الله. إذن فقوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ﴾ [البقرة: 186] تعني ضرورة الاستجابة للمنهج، ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ [البقرة: 186] أي أن يؤمنوا به سبحانه إلها حكيما.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٨