قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]. فلو كان في الأرض ملائكة لنزلنا لهم ملكا حتى تتحقق الأسوة. إذن: لا بد في القدوة من اتحاد الجنس.. ولنضرب لذلك مثلا: هب أنك رأيت أسدا يثور ويجول في الغابة مثلا يفترس كل ما أمامه، ولا يستطيع أحد أن يتعرض له.. هل تفكر ساعتها أن تصير أسدا؟ لا.. إنما لو رأيت فارسا يمسك بسيفه، ويطيح به رقاب الأعداء.. ألا تحب أن تكون فارسا؟ بلى أحب. فهذه هي القدوة الحقيقية النافعة، فإذا ما اختلف الجنس فلا تصلح القدوة. وهنا يرد الحق تبارك وتعالى على افتراءات الكفار بقوله تعالى: ﴿ ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم.. ﴾ [النحل: 43]. أي: أنك يا محمد لست بدعا في الرسل، فمن سبقوك كانوا رجالا طيلة القرون الماضية، وفي موكب الرسالات جميعا. وجاءت هنا كلمة ﴿ رجالا ﴾ لتفيد البشرية أولا كجنس، ثم لتفيد النوع المذكر ثانيا ذلك لأن طبيعة الرسول قائمة على المخالطة والمعاشرة لقومه.. يظهر للجميع ويتحدث إلى الجميع.. أما المرأة فمبنية على التستر، ولا تستطيع أن تقوم بدور الأسوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة المرأة لوجدنا في طبيعتها أمورا كثيرة لا تناسب دور النبوة، ولا تتمشى مع مهمة النبي، مثل انقطاعها عن الصلاة والتعبد لأنها حائض أو نفساء. كذلك جاءت كلمة ﴿ رجالا ﴾ مقيدة بقوله: ﴿ نوحي إليهم.. ﴾ [النحل: 43]. فالرسول رجل، ولكن إياك أن تقول: هو رجل مثلي وبشر مثلي.. لا هناك ميزة أخرى أنه يوحى إليه، وهذه منزلة عالية يجب أن نحفظها للأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ [النحل: 43]. أي: إذا غابت عنكم هذه القضية، قضية إرسال الرسل من البشر - ولا أظنها تغيب - لأنها عامة في الرسالات كلها. وما كانت لتخفى عليكم خصوصا وعندكم أهل العلم بالأديان السابقة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، وعندكم أهل السير والتاريخ، وعندكم اليهود والنصارى.. فاسألوا هؤلاء جميعا عن بشرية الرسل. فهذه قضية واضحة لا تنكر، ولا يمكن المخالفة فيها.. وماذا سيقول اليهود والنصارى؟.. موسى وعيسى.. إذن بشر. وقوله تعالى: ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ [النحل: 43]. يوحى بأنهم يعلمون، وليس لديهم شك في هذه القضية.. مثل لو قلت لمخاطبك: اسأل عن كذا إن كنت لا تعرف.. هذا يعني أنه يعرف، أما إذا كان في القضية شك فنقول: اسأل عن كذا دون أداة الشرط.. إذن: هم يعرفون، ولكنه الجدال والعناد والاستكبار عن قبول الحق.