. إنما أكبر، ما عداه يكون كبيرا، فنقول في الأذان: الله أكبر لأن أمور الدنيا في حق المؤمن كبيرة من حيث هي وسيلة للآخرة. فإياك أن تظن أن حركة الدنيا التي تتركها من أجل الصلاة أنها صغيرة، بل هي كبيرة بما فيها من وسائل تعينك على طاعة الله، فبها تأكل وتشرب وتتقوى، وبها تجمع المال لتسد به حاجتك، وتؤدي الزكاة إلى غير ذلك، ومن هنا كانت حركة الدنيا كبيرة، وكانت الصلاة والوقوف بين يدي الله أكبر. ولذلك حينما قال الحق تبارك وتعالى:
يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع..
[الجمعة: 9]. أخرجنا بهذا النداء من عمل الدنيا وحركتها، ثم قال:
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله..
[الجمعة: 10]. فأمرنا بالعودة إلى حركة الحياة لأنها الوسيلة للدار الآخرة، والمزرعة التي نعد فيها الزاد للقاء الله تعالى.. إذن: الدنيا أهم من أن تنسى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفه من أن تكون غاية في حد ذاتها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ [النحل: 41]. الخطاب هنا عن من؟ الخطاب هنا يمكن أن يتجه إلى ثلاثة أشياء: يمكن أن يراد به الكافرون.. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر. ويمكن أن يراد به المهاجرون.. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير. وأخيرا قد يراد به المؤمن الذي لم يهاجر.. ويكون المعنى: لو كان يعلم نتيجة الهجرة لسارع إليها. وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمونه تربيب الفوائد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ الذين صبروا... ﴾.