تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[القصص: 38]. ويحكى في قصص المتنبئين أن أحد الخلفاء جاءه خبر مدع للنبوة، فأمرهم ألا يهتموا بشأنه، وأن يتركوه، ولا يعطوا لأمره بالا لعله ينتهي، ثم بعد فترة ظهر آخر يدعي النبوة، فجاءوا بالأول ليرى رأيه في النبي الجديد: ما رأيك في هذا الذي يدعي النبوة؟! أيكم النبي؟ فقال: إنه كذاب فإني لم أرسل أحدا!! ظن أنهم صدقوه في ادعائه النبوة، فتجاوز هذا إلى ادعاء الألوهية، وهكذا الطاغوت. وقد وردت هذه الكلمة ﴿ الطاغوت ﴾ في القرآن ثماني مرات، منها ستة تصلح للتذكير والتأنيث، ومرة وردت للمؤنث في قوله تعالى:

والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها..

[الزمر: 17]. ومرة وردت للمذكر في قوله تعالى:

يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به..

[النساء: 60]. وفي اللغة كلمات يستوي فيها المذكر والمؤنث، مثل قول الحق تبارك وتعالى:

وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا..

[الأعراف: 146]. وقوله:

قل هذه سبيلي..

[يوسف: 108]. فكلمة " سبيل " جاءت مرة للمذكر، ومرة للمؤنث. ثم يقول تعالى: ﴿ فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة.. ﴾ [النحل: 36]. وقد أخذ بعضهم هذه الآية على أنها حجة يقول من خلالها: إن الهداية بيد الله، وليس لنا دخل في أننا غير مهتدين.. إلى آخر هذه المقولات. نقول: تعالوا نقرأ القرآن.. يقول تعالى:

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى..

[فصلت: 17]. لو كانت الهداية بالمعنى الذي تقصدون لما استحبوا العمى وفضلوه، لكن " هديناهم " هنا بمعنى: دللناهم وأرشدناهم فقط، ولهم حق الاختيار، وهم صالحون لهذه ولهذه، والدلالة تأتي للمؤمن وللكافر، دل الله الجميع، فالذي أقبل على الله بإيمان به زاده هدى وآتاه تقواه، كما قال تعالى:

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17]. ومن هذا ما يراه البعض تناقضا بين قوله تعالى:

إنك لا تهدي من أحببت..

[القصص: 56]. وقوله:

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52]. حيث نفى الحق سبحانه عن الرسول صلى الله عليه وسلم الهداية في الأولى، وأثبتها له في الثانية. نلاحظ أن الحدث هنا واحد وهو الهداية، والمتحدث عنه واحد هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يثبت حدث واحد لمحدث واحد مرة، وينفيه عنه مرة؟! لا بد أن تكون الجهة منفكة.. في:

إنك لا تهدي..

[القصص: 56]. أي: لا تستطيع أن تدخل الإيمان في قلب من تحب، ولكن تدل وترشد فقط، أما هداية الإيمان فبيد الله تعالى يهدي إليه من عنده استعداد للإيمان، ويصرف عنها من أعرض عنه ورفضه. وكأن الله تعالى في خدمة عبيده، من أحب شيئا أعطاه إياه ويسره له، وبذلك هدى المؤمن للإيمان، وختم على قلب الكافر بالكفر. إذن: تأتي الهداية بمعنيين: بمعنى الدلالة والإرشاد كما في الآية السابقة، وبمعنى المعونة وشرح الصدر للإيمان كما في قوله تعالى:

ولكن الله يهدي من يشآء..

[القصص: 56]. وقوله:

زادهم هدى..

[محمد: 17]. فقوله تعالى: ﴿ فمنهم من هدى الله.. ﴾ [النحل: 36]. أي: هداية إيمان ومعونة بأن مكن المنهج في نفسه، ويسره له، وشرح به صدره. ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة.. ﴾ [النحل: 36]. حقت: أي أصبحت حقا له، ووجبت له بما قدم من أعمال، لا يستحق معها إلا الضلالة، فما حقت عليهم، وما وجبت لهم إلا بما عملوا. وهذه كقوله تعالى:

إن الله لا يهدي القوم الظالمين

[الأنعام: 144]. أيهما أسبق: عدم الهداية من الله لهم، أم الظلم منهم؟ واضح أن الظلم حدث منهم أولا، فسماهم الله ظالمين، ثم كانت النتيجة أن حرموا الهداية. ونذكر هنا مثالا كثيرا ما كررناه ليرسخ في الأذهان - ولله المثل الأعلى - هب أنك سائر في طريق تقصد بلدا ما، فصادفك مفترق لطرق متعددة، وعلامات لاتجاهات مختلفة، عندها لجأت لرجل المرور: من فضل أريد بلدة كذا، فقال لك: من هنا. فقلت: الحمد لله، لقد كدت أضل الطريق، وجزاك الله خيرا. فلما وجدك استقبلت كلامه بالرضا والحب، وشكرت له صنيعه أراد أن يزيد لك العطاء. فقال لك: لكن في هذا الطريق عقبة صعبة، وسوف أصحبك حتى تمر منها بسلام. هكذا كانت الأولى منه مجرد دلالة، أما الثانية فهي المعونة، فلما صدقته في الدلالة أعانك على المدلول.. هكذا أمر الرسل في الدلالة على الحق، وكيفية قبول الناس لها. ولك أن تتصور الحال لو قلت لرجل المرور هذا: يبدو أنك لا تعرف الطريق.. فسيقول لك: إذن اتجه كما تحب وسر كما تريد. وكلمة " الضلالة " مبالغة من الضلال وكأنها ضلال كبير، ففيها تضخيم للفعل، ومنها قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٥٩