قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا..
[مريم: 75]. ثم يقيم لنا الحق - تبارك وتعالى - الدليل على بعثة الرسل في الأمم السابقة لنتأكد من إخباره تعالى، وأن الناس انقسموا أقساما بين مكذب ومصدق، قال تعالى: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ [النحل: 36]. فهناك شواهد وأدلة تدل على أن هنا كان ناس، وكانت لهم حضارة اندكت واندثرت، كما قال تعالى في آية أخرى:
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين
[الصافات: 137]. فأمر الله تعالى بالسياحة في الأرض للنظر والاعتبار بالأمم السابقة، مثل: عاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم. والحق تبارك وتعالى يقول هنا: ﴿ فسيروا في الأرض.. ﴾ [النحل: 36]. وهل نحن نسير في الأرض، أم على الأرض؟ نحن نسير على الأرض.. وكذلك كان فهمنا للآية الكريمة، لكن المتكلم بالقرآن هو ربنا تبارك وتعالى، وعطاؤه سبحانه سيظل إلى أن تقوم الساعة، ومع الزمن تتكشف لنا الحقائق ويثبت العلم صدق القرآن وإعجازه. فمنذ أعوام كنا نظن أن الأرض هي هذه اليابسة التي نعيش عليها، ثم أثبت لنا العلم أن الهواء المحيط بالأرض الغلاف الجوي هو إكسير الحياة على الأرض، وبدونه لا تقوم عليها حياة، فالغلاف الجوي جزء من الأرض. وبذلك نحن نسير في الأرض، كما نطق بذلك الحق - تبارك وتعالى - في كتابه العزيز. ونقف أمام ملحظ آخر في هذه الآية:
فسيروا في الأرض فانظروا..
[آل عمران: 137]. وفي آية أخرى يقول:
قل سيروا في الأرض ثم انظروا..
[الأنعام: 11]. ليس هذا مجرد تفنن في العبارة، بل لكل منهما مدلول خاص، فالعطف بالفاء يفيد الترتيب مع التعقيب. أي: يأتي النظر بعد السير مباشرة.. أما في العطف بثم فإنها تفيد الترتيب مع التراخي. أي: مرور وقت بين الحدثين، وذلك كقوله تعالى:
ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره
[عبس: 22]. وقول الحق سبحانه: ﴿ فانظروا.. ﴾ [النحل: 36]. فكأن الغرض من السير الاعتبار والاتعاظ، ولا بد - إذن - من وجود بقايا وأطلال تدل على هؤلاء السابقين المكذبين، أصحاب الحضارات التي أصبحت أثرا بعد عين. وها نحن الآن نفخر بما لدينا من أبنية حجرية مثل الأهرامات مثلا، حيث يفد إليها السياح من شتى دول العالم المتقدم ليروا ما عليها هذه الحضارة القديمة من تطور وتقدم يعجزهم ويحيرهم، ولم يستطيعوا فك طلاسمه حتى الآن. ومع ذلك لم يترك الفراعنة ما يدل على كيفية بناء الأهرامات، أو ما يدل على كيفية تحنيط الموتى مما يدل على أن هؤلاء القوم أخذوا أخذة قوية اندثرت معها هذه المراجع وهذه المعلومات، كما قال تعالى:
هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا
[مريم: 98]. وقد ذكر لنا القرآن من قصص هؤلاء السابقين الكثير كما في قوله تعالى:
ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد
[الفجر: 6-8]. وقال:
وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب
[الفجر: 9-13]. هذا ما حدث للمكذبين في الماضي، وإياكم أن تظنوا أن الذي يأتي بعد ذلك بمنجى عن هذا المصير.. كلا:
إن ربك لبالمرصاد
[الفجر: 14]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن تحرص على... ﴾.