وهنا أيضا نلاحظ أنه قد يتعاصر الرسولان، ألم يكن إبراهيم ولوط متعاصرين؟ ألم يكن شعيب وموسى متعاصرين؟ فما علة ذلك؟ نقول: لأن العالم كان قديما على هيئة الانعزال، فكل جماعة منعزلة في مكانها عن الأخرى لعدم وجود وسائل للمواصلات، فكانت كل جماعة في أرض لا تدري بالأخرى، ولا تعلم عنها شيئا. ومن هنا كان لكل جماعة بيئتها الخاصة بما فيها من عادات وتقاليد ومنكرات تناسبها، فهؤلاء يعبدون الأصنام، وهؤلاء يطففون الكيل والميزان، وهؤلاء يأتون الذكران دون النساء. إذن: لكل بيئة جريمة تناسبها، ولا بد أن نرسل الرسل لمعالجة هذه الجرائم، كل في بلد على حدة. لكن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كانت على موعد مع التقاءات الأمكنة مع وجود وسائل المواصلات، لدرجة أن المعصية تحدث مثلا في أمريكا فنعلم بها في نفس اليوم.. إذن: أصبحت الأجواء والبيئات واحدة، ومن هنا كان منطقيا أن يرسل صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وللأزمنة كافة. وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الشمولية بقوله:
ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا..
[سبأ: 28]. أي: للجميع لم يترك أحدا، كما يقول الخياط: كففت القماش أي: جمعت بعضه على بعض، حتى لا يذهب منه شيء. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.. ﴾ [النحل: 36]. هذه هي مهمة الرسل: ﴿ أن اعبدوا الله.. ﴾ [النحل: 36]. والعبادة معناها التزام بأمر فيفعل، وينهي عن أمر فلا يفعل لذلك إذا جاء من يدعي الألوهية وليس معه منهج نقول له: كيف نعبدك؟ وما المنهج الذي جئت به؟ بماذا تأمرنا؟ عن أي شيء تنهانا؟ فهنا أمر بالعبادة ونهي عن الطاغوت، وهذا يسمونه تحلية وتخلية: التحلية في أن تعبد الله، والتخلية في أن تبتعد عن الشيطان. وعلى هذين العنصرين تبنى قضية الإيمان حيث نفي في: " أشهد أن لا إله ".. وإثبات في " إلا الله " ، وكأن الناطق بالشهادة ينفي التعدد، ويثبت الوحدانية لله تعالى، وبهذا تكون قد خليت نفسك عن الشرك، وحليت نفسك بالوحدانية. ولذلك سيكون الجزاء عليها في الآخرة من جنس هذه التحلية والتخلية ولذلك نجد في قول الحق تبارك وتعالى:
فمن زحزح عن النار..
[آل عمران: 185]. أي: خلي عن العذاب.
وأدخل الجنة..
[آل عمران: 185]. أي: حلي بالنعيم. وقوله سبحانه: ﴿ واجتنبوا الطاغوت.. ﴾ [النحل: 36]. أي: ابتعدوا عن الطاغوت.. فيكون المقابل لها: تقربوا إلى الله و ﴿ الطاغوت ﴾ فيها مبالغة تدل على من وصل الذروة في الطغيان وزاد فيه.. وفرق بين الحدث المجرد مثل طغى، وبين المبالغة فيه مثل طاغوت، وهو الذي يزيده الخضوع لباطله طغيانا على باطل أعلى. ومثال ذلك: شاب تمرد على مجتمعه، وأخذ يسرق الشيء التافه القليل، فوجد الناس يتقربون إليه ويداهنونه اتقاء شره، فإذا به يترقى في باطله فيشتري لنفسه سلاحا يعتدي به على الأرواح، ويسرق الغالي من الأموال، ويصل إلى الذروة في الظلم والاعتداء، ولو أخذ الناس على يده منذ أول حادثة لما وصل إلى هذه الحال.
ومن هنا وجدنا الديات تتحملها العاقلة وتقوم بها عن الفاعل الجاني، ذلك لما وقع عليها من مسئولية ترك هذا الجاني، وعدم الأخذ على يده وكفه عن الأذى. ونلاحظ في هذا اللفظ الطاغوت أنه لما جمع كل مبالغة في الفعل نجده يتأبى على المطاوعة، وكأنه طاغوت في لفظه ومعناه، فنراه يدخل على المفرد والمثنى والجمع، وعلى المذكر والمؤنث، فنقول: رجل طاغوت، وامرأة طاغوت، ورجلان طاغوت، وامرأتان طاغوت، ورجال طاغوت، ونساء طاغوت، وكأنه طغى بلفظه على جميع الصيغ. إذن: الطاغوت هو الذي إذا ما خضع الناس لظلمه ازداد ظلما. ومنه قوله تعالى:
فاستخف قومه فأطاعوه..
[الزخرف: 54]. فقد وصل به الحال إلى أن ادعى الألوهية، وقال:
ما علمت لكم من إله غيري..