تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونريد أن نفهم النص بعقلية من يستقبل الكلام من إله حكيم، إن قول الله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185]. تعقيب على ماذا؟ تعقيب على أنه أعفى المريض وأعفى المسافر من الصيام، فكأن الله يريد بكم اليسر، فكأنك لو خالفت ذلك لأردت الله معسرا لا ميسرا والله لا يمكن أن يكون كذلك، بل أنت الذي تكون معسرا على نفسك، فإن كان الصوم له قداسة عندك، ولا تريد أن تكون أسوة فلا تفطر أمام الناس، والتزم بقول الله: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ [البقرة: 185] لأنك لو جنحت إلى ذلك لجعلت الحكم في نطاق التعسير، فنقول لك: لا، إن الله يريد بك اليسر، فهل أنت مع العبادة أم أنت مع المعبود؟ أنت مع المعبود بطبيعة الإيمان. ومثال آخر نجده في حياتنا: هناك من يأتي ليؤذن ثم بعد الأذان يجهر بقوله: " الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله " يقول: إن هذا حب لرسول الله، لكن هل أنت تحب الرسول إلا بما شرع؟ إنه قد قال:

" إذا سمعت النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن ثم صلوا علي "

فقد سمح الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يؤذن ولمن يسمع أن يصلي عليه في السر، لا أن يأتي بصوت الأذان الأصيل وبلهجة الأذان الأصيلة ونصلي على النبي، لأن الناس قد يختلط عليها، وقد يفهم بعضهم أن ذلك من أصول الأذان. إنني أقول لمن يفعل ذلك: يا أخي، ألا توجد صلاة مقبولة على النبي إلا المجهور بها؟ لا، إن لك أن تصلي على النبي، لكن في سرك. وكذلك إن جاء من يفطر في رمضان لأنه مريض أو على سفر، نقول له: استتر، حتى لا تكون أسوة سيئة لأن الناس لا تعرف أنك مريض أو على سفر، استتر كي لا يقول الناس: إن مسلما أفطر. ويقول الحق: ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ [البقرة: 185] فمعناها كي لا تفوتكم أيام من الصيام. انظروا إلى دقة الأداء القرآني في قوله: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ﴾ [البقرة: 185]. إن العبادة التي نفهم أن فيها مشقة هي الصيام وبعد ذلك تكبرون الله لأن الحق سبحانه عالم أن عبده حين ينصاع لحكم أراده الله وفيه مشقه عليه مثل الصوم ويتحمله، وعندما يشعر بأنه قد انتهى منه إنه سبحانه عالم بأن العبد سيجد في نفسه إشراقا يستحق أن يشكر الله الذي كلفه بالصوم ووفقه إلى أدائه لأن معنى ﴿ ولتكبروا الله ﴾ [البقرة: 185] يعني أن تقول: " الله أكبر " وأن تشكره على العبادة التي كنت تعتقد أنها تضنيك، لكنك وجدت فيها تجليات وإشراقات، فتقول: الله أكبر من كل ذلك، الله أكبر لأنه حين يمنعني يعطيني، وسبحانه يعطي حتى في المنع فأنت تأخذ مقومات حياة ويعطيك في رمضان ما هو أكثر من مقومات الحياة وهو الإشراقات التي تتجلى لك، وتذوق حلاوة التكليف وإن كان قد فوت عليك الاستمتاع بنعمة فإنه أعطاك نعمة أكثر منها.

وبعد ذلك فالنسق القرآني ليس نسقا من صنع البشر، فنحن نجد أن نسق البشر يقسم الكتاب أبوابا وفصولا ومواد كلها مع بعضها، ويفصل كل باب بفصوله ومواده، وبعد ذلك ينتقل لباب آخر، لكن الله لا يريد الدين أبوابا، وإنما يريد الدين وحدة متكاتفة في بناء ذلك الإنسان، فيأتي بعد قوله: " ولتكبروا الله " ب " ولعلكم تشكرون " ومعنى ذلك أنكم سترون ما يجعلكم تنطقون ب " الله أكبر " لأن الله أسدى إليكم جميلا، وساعة يوجد الصفاء بين " العابد " وهو الإنسان و " المعبود " وهو الرب، ويثق العابد بأن المعبود لم يكلفه إلا بما يعود عليه بالخير، هنا يحسن العبد ظنه بربه، فيلجأ إليه في كل شيء، ويسأله عن كل شيء، ولذلك جاء هنا قول الحق: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٥