تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا أنزلناه في ليلة القدر

[القدر: 1]. أما في كلمة " نزل " فهو سبحانه يقول:

نزل به الروح الأمين

[الشعراء: 193]. وقال الحق:

تنزل الملائكة..

[القدر: 4]. إذن فكلمة " أنزل " مقصورة على الله، إنما كلمة " نزل " تأتي من الملائكة، و " نزل " تأتي من الروح الأمين الذي هو " جبريل " ، فكأن كلمة " أنزل " بهمزة التعدية، عدت القرآن من وجوده مسطورا في اللوح المحفوظ إلى أن يبرز إلى الوجود الإنساني ليباشر مهمته. وكلمة " نزل " و " نزل " نفهمهما أن الحق أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا مناسبا للأحداث ومناسبا للظروف، فكان الإنزال في رمضان جاء مرة واحدة، والناس الذين يهاجموننا يقولون كيف تقولون: إن رمضان أنزل فيه القرآن مع أنكم تشيعون القرآن في كل زمن، فينزل هنا وينزل هناك وقد نزل في مدة الرسالة المحمدية؟ نقول لهم: نحن لم نقل إنه " نزل " ولكننا قلنا " أنزل " ، فأنزل: تعدي من العلم الأعلى إلى أن يباشر مهمته في الوجود. وحين يباشر مهمته في الوجود ينزل منه " النجم " - يعني القسط القرآني - موافقا للحدث الأرضي ليجيء الحكم وقت حاجتك، فيستقر في الأرض، إنما لو جاءنا القرآن مكتملا مرة واحدة فقد يجوز أن يكون عندنا الحكم ولا نعرفه، لكن حينما لا يجيء الحكم إلا ساعة نحتاجه، فهو يستقر في نفوسنا. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت مثلا تريد أن تجهز صيدلية للطوارئ في المنزل، وأنت تضع فيها كل ما يخص الطوارئ التي تتخيلها، ومن الجائز أن يكون عندك الدواء لكنك لست في حاجة له، أما ساعة تحتاج الدواء وتذهب لتصرف تذكرة الطبيب من الصيدلية، عندئذ لا يحدث لبس ولا اختلاط، فكذلك حين يريد الله حكما من الأحكام ليعالج قضية من قضايا الوجود فهو لا ينتظر حتى ينزل فيه حكم من الملأ الأعلى من اللوح المحفوظ، إنما الحكم موجود في السماء الدنيا، فيقول للملائكة: تنزلوا به، وجبريل ينزل في أي وقت شاء له الحق أن ينزل من أوقات البعثة المحمدية، أو الوقت الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يوجد فيه الحكم الذي يغطي قضية من القضايا. إذن فحينما يوجد من يريد أن يشككنا نقول له: لا. نحن نملك لغة عربية دقيقة، وعندنا فرق بين " أنزل " و " نزل " و " نزل " ولذلك فكلمة " نزل " تأتي للكتاب، وتأتي للنازل بالكتاب يقول تعالى:

نزل به الروح الأمين

[الشعراء: 193]. ويقول سبحانه:

وبالحق أنزلناه وبالحق نزل..

[الإسراء: 105]. وكان بعض من المشركين قد تساءلوا لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة؟. وانظر إلى الدقة في الهيئة التي أراد الله بها نزول القرآن فقد قال الحق:

وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا

[الفرقان: 32]. وعندما نتأمل قول الحق: " كذلك " فهي تعني أنه سبحانه أنزل القرآن على الهيئة التي نزل بها لزوما لتثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولو نزل مرة واحدة لكان تكليفا واحدا، وأحداث الدعوة شتى وكل لحظة تحتاج إلى تثبيت. فحين يأتي الحدث ينزل نجم قرآني فيعطي به الحق تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأضرب مثلا بسيطا - ولله المثل الأعلى والمنزه عن كل تشبيه - أن ابنا لك يريد حلة جديدة أتحضرها له مرة واحدة، فتصادفه فرحة واحدة، أم تحضر له في يوم ربطة العنق واليوم الذي يليه تحضر له القميص الجديد، ثم تحضر له " البدلة "؟، إذن فكل شيء يأتي له وقع وفرحة. والحق ينزل القرآن منجما لماذا؟ " لنثبت به فؤادك " ومعنى " لنثبت به فؤادك " أي أنك ستتعرض لمنغصات شتى، وهذه المنغصات الشتى كل منها يحتاج إلى تربيت عليك وتهدئة لك، فيأتي القسط القرآني ليفعل ذلك وينير أمامك الطريق.

كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٣