تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيظل القاتل مدينا بحياته للذين عفوا عنه. والذين يعرفون ذلك من أبناء القاتل يرون أن حياة أبيهم هبة وهبها لهم أولياء القتيل وأقرباؤه، يرون أن عفو أهل القتيل هو الذي نجا حياة قريبهم، وهكذا تتسع الدائرة، وتنقلب المسألة من عداوة إلى ود.

ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم

[فصلت: 34]. ولو لم يشرع الله القصاص لأصبحت المسألة فوضى. لكنه يشرعه، ثم يتلطف ليجعل أمر إنهاء القصاص فضلا من ولي الدم ويحببه لنا ويقول: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ﴾ [البقرة: 178]. وهل من المعقول أن تكون الدية إحسانا؟ لتتذكر أن القائل هنا هو الله، وكلامه قرآن، والدقة في القرآن بلا حدود. إن الحق ينبه إلى أن أولياء الدم إذا ما قبلوا الدية فمعنى ذلك أن أهل القتيل قد أسقطوا القصاص عن القاتل وأنهم وهبوه حق الحياة، لذلك فإن هذا الأمر يجب أن يرد بتحية أو مكرمة أحسن منه. كأن الحق لا يريد من أولياء الدم أن يرهقوا القاتل أو أهله في الاقتضاء، كما يريد أن يؤدي القاتل أو أهله الدية بأسلوب يرتفع إلى مرتبة العفو الذي ناله القاتل. وفي ذلك الأمر تخفيف عما جاء بالتوراة ففي التوراة لم تكن هناك دية يفتدي القاتل بها نفسه، بل كان القصاص في التوراة بأسلوب واحد هو قتل إنسان مقابل إنسان آخر. وفي الإنجيل لا دية ولا قتل: لأن هناك مبدأ أراد أن يتسامى به أتباع عيسى عليه السلام على اليهود الذين انغمسوا في المادية. لقد جاء عيسى عليه السلام رسولا إلى بني إسرائيل لعله يستل من قلوبهم المادية، فجاء بمبدأ: " من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ". ولكن الإسلام قد جاء دينا عاما جامعا شاملا، فيثير في النفس التسامي، ويضع الحقوق في نصابها، فأبقى القصاص، وترك للفضل مجالا. لذلك يقول الحق عن الدية: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ [البقرة: 178]. وما وجه الاعتداء بعد تقرير الدية والعفو؟ كان بعض من أهل القبائل إذا قتل منهم واحد يشيعون أنهم عفوا وصفحوا وقبلوا الدية حتى إذا خرج القاتل من مخبئه مطمئنا، عندئذ يقتلونه. والحق يقرر أن هذا الأمر هو اعتداء، ومن يعتدي بعد أن يسقط حق القتل ويأخذ الدية فله عذاب أليم. وحكم الله هنا في العذاب الأليم، نفهمه على أن المعتدي بقتل من أعلن العفو عنه لا يقبل منه دية ويستحق القتل عقابا، ولا يرفع الله عنه عذاب الدنيا أو الآخرة. إن الحق يرفع العقاب والعذاب عن القاتل إذا قبل القصاص ونفذ فيه، أو إذا عفي عنه إلى الدية وأداها. ولكن الحق لا يقبل سوى استخدام الفرص التي أعطاها الحق للخلق ليرتفعوا في علاقاتهم. إن الحق لا يقبل أن يتستر أهل قتيل وراء العفو، ليقتلوا القاتل بعد أن أعلنوا العفو عنه فذلك عبث بما أراده الحق منهجا بين العباد. ولذلك يقول الحق: ﴿ ولكم في القصاص حياة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٢