ومآ أدراك ما العقبة * فك رقبة
[البلد: 12-13]. أي فك الأسير، إذن " في الرقاب " تعني فك أسر العبد، ويمكن لصاحب البر أن يشتري العبيد ويعتقهم، أو يسهم في فك رقابهم فذلك لون من ألوان تصفية الرق، وفي تصفية الرق هناك شيء اسمه التدبير، وشيء اسمه المكاتبة. هب أن عبدا يخدمك وبعد ذلك ترى أنه أخلص في خدمتك، فثمنا لإخلاصه في خدمتك مدة طويلة قررت أن تدبره بعد موتك، أي تعطيه حريته فيصبح حرا بعد موتك، فكأنك علقت عبوديته على مدى حياتك، وبعد انتهاء حياتك يصبح مدبرا أي حرا، ولا يدخل في تركتك، ولا يورث. وقد تكاتبه على مال فتقول له: يا عبد أنا أكاتبك على مائة جنيه، وأطلق حركتك لتتصرف أنت وتضرب في الحياة وتكسب وتأتي لي بالمائة جنيه، ثم أطلق سراحك، وفي هذه الحالة فإن على أهل البر أن يعاونوا هذا المكاتب ليؤدي مال الكتابة حتى يفك رقبته من الأسر. ومن البر أيضا إقامة الصلاة، كأن المعنى: " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة " ، ونعرف أن معنى إقامة الصلاة هي أداء الصلاة في أوقاتها على الوجه المطلوب شرعا. ومن البر أن نؤتي الزكاة، فكأن كل ما سبق ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب ﴾ [البقرة: 177] لا علاقة لها بالزكاة، إن كل ذلك هو بر آخر غير المطلوب للزكاة، لأن الزكاة لو كانت تدخل فيما سبق لما كان الله كررها في الآية. هذه أوجه البر التي ذكرتها الآية من إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكل ذلك لمن أراد أن يدخل في مقام الإحسان، فمقام الإحسان كما نعرف هو أن تلزم نفسك بشيء لم يفرضه الله عليك، إنما تحس أنت بفرح الله بك ورضاه عنك فيقبله الله منك.
ولذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل في المال حق غير الزكاة؟ ذكر هذه الآية: ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴾ [البقرة: 177]. إذن، فتلك أوجه البر المطلوبة، والزكاة أيضا مطلوبة. ففي مصرف الزكاة لا يوجد ذوو القربى ولا اليتامى. صحيح أن في مصارف الزكاة إعطاء المسكين وابن السبيل، لكن في البر هناك أشياء غير موجودة في الزكاة، فكأنك إن أردت أن تفتح لنفسك باب البر مع الله، فوسع دائرة الإنفاق، وستجد أن البر قد أخذ حيزا كبيرا من الإنفاق لأن المنفق مستخلف عن الله. فالله هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، وما دام هو المستدعي إلى الوجود فهو سبحانه مكلف بإطعامه، وأنت إذا أنفقت على المحتاج الذي استدعاه الله للوجود، فإنك تتودد إلى الله بمساعدة المحتاجين من خلقه دون أن يلزمك به الله، ولذلك يقول الله عز وجل:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة..
[البقرة: 245]. إذا كان هو سبحانه الذي أعطى المال، فكيف يقول: أقرضني؟. نعم، لأنه سبحانه لا يرجع فيما وهبه لك من نعمة المال، إن المال الذي لك هو هبة من الله، ولكن إن احتاجه أخ مسلم، فهو لا يقول لك " أعطه من عندك أو أقرضه من عندك " ، إنما يقول لك: " أقرضني أنا، لأني أنا الذي أوجدته في الكون ورزقه مطلوب مني " ، فكأنك حين تعطيه تقرض الله، وهذا معنى قوله:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
[البقرة: 245]. إنه سبحانه وتعالى متفضل بالنعمة ثم يسألك أن تقرضه هو. ولنضرب على ذلك مثلا من أمر الدنيا - وسبحانه وتعالى منزه عن كل مثل وله المثل الأعلى - هب أنك محتاج وفي ضائقة مالية، وعندك أولاد ولهم مبالغ مدخرة مما كنت تعطيهم من مال فتقول لهم أقرضوني ما معكم من مال وسأرده لكم عندما تمر الضائقة. كأنك لم ترجع في هبتك وما أعطيته لهم من مال، إنما اقترضته منهم، كذلك يفعل الله سبحانه وتعالى. وكذلك لنا عبرة وعظة من السيدة فاطمة رضي الله عنها عندما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآها ممسكة بدرهم، والدرهم يعلوه الصدأ وأخذت تجلوه، فسألها أبوها: ما تصنعين يا فاطمة؟ قالت: أجلو درهما. قال: لماذا؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به، قال: وما دمت تتصدقين به فلماذا تجلينه؟ قالت: لأني أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد المحتاج.