تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل هذه الأقوال يتسع لها النص القرآني الكريم. والحق يقول: ﴿ ولكن البر من آمن بالله ﴾ [البقرة: 177] هذه بداية الإيمان، ويأتي بعد ذلك بنهاية الإيمان وهو ضرورة الإيمان ب ﴿ اليوم الآخر ﴾ [البقرة: 177]، إن بداية القوس هي الإيمان بالله وطرفه الأخير الإيمان باليوم الآخر. وهنا نتساءل: وكيف يأتي الإيمان باليوم الآخر؟ نقول: يأتي الإيمان باليوم الآخر بأن تؤمن بالله ثم تؤمن بما يخبرك به الله، فلا تقل: أنا جعلتهما في صف واحد، بل الإيمان بالله أولا، وبعد ذلك الإيمان بما أخبرني به الله، وقد أخبر سبحانه: أن هناك يوما آخر، فصدقت ما أخبر به. وتأتي مسألة الإيمان بالملائكة فيقول الحق: " والملائكة " فكيف نؤمن بخلق من خلق الله لا نراه؟. إننا ما دمنا قد آمنا بالقمة، وهي الإيمان بالله، والله أخبرنا بأن هناك ملائكة، وحتى لو كان وجود الملائكة غيبيا فنحن نؤمن بها لأن الذي أخبر بها هو الله، وكذلك نؤمن بالجن برغم أننا لا نراه، وكل ما يتعلق بالغيبيات هو إخبار ممن آمنت به، لذلك تؤمن بها. والمسائل الإيمانية كلها غيبية، ولا تقول في الأمر الحسي: " إنني آمنت به " ، إنما تقول: " آمنت " في الأمر الغيبي لأنه أمر غيبي لا تأنس به الحواس والإدراكات، وتريد أن تجعله عقيدة، والعقيدة هي أمر يعقد فلا ينحل أبدا، ولأنه أمر غيبي فربما ينفلت منا لأنه لو كان أمرا مشهديا لما غفل عنه الإنسان أبدا لأن مشهديته ستجعلك تتذكره، إنما هو أمر غيبي، ويسمى عقيدة، أي أمرا معقودا لا يحل أبدا. والقمة العقدية هي أن تؤمن بالله، ثم تؤمن بما يخبرك به الله من غيبيات لا دليل لك عليها إلا أن الله قال بها، فإن رأيت في متعلقات الإيمان أمورا محسة فاعلم أن الجهة في الإيمان منفكة لأنه سيأتي ذكر الملائكة واليوم الآخر وكلاهما غيب، وبعد ذلك سيذكر الكتاب والنبيين، وهما محسوسان. صحيح أن الكتاب أمر محس والنبيين كذلك، لكننا لم نحس أن الله أنزل الكتاب، وأن الله بعث النبيين. ونحن لم نكن على قيد الحياة وقت نزول الكتاب ولا وقت بعث النبي، وجاء إيماننا لأننا صدقنا أن الله أنزل وحيا على محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الوحي نزل بالكتاب، وأن الله اختار محمدا صلى الله عليه وسلم ليكون مبلغا لهذا الوحي، وكل هذه أمور غيبية لم نرها.

والغيبيات هي أرضية الحركة الإيمانية أو أساس الإيمان. وبعد ذلك تنتقل الآية من الحديث عن الأمر العقدي، لتبين لنا أن البر مكون من أمور عقدية هي أساس لأمور حركية، والأمور الحركية هي المقصودة من كل تدين. فالحق سبحانه لا يعنيه أن يؤمن به أحد، ولا يعنيه أن تؤمن بملائكته، وكتبه ورسله، لكن الأمر الذي يريده الله هو أن تنتظم حركة الحياة في الأرض بمنهج الله، ولذلك ينتقل الحديث إلى الأمر المادي فيقول: ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ [البقرة: 177] كأن الإنسان قد ملك المال وبعد ذلك " آتاه ". وعندما تقول: " آتيت " فهي تعني أعطيت، وهي تختلف عن " أتيت " التي تعني " جئت ". وما هو المال؟ إن المال هو كل ما يتمول إلا أننا نصرفه إلى شيء يمكن أن يأتي بكل متمول وأسميناه بالنقد. وأصبحت له الغلبة لأننا نشتري بالنقد كل شيء، لكن المعنى الأصلي للمال هو كل ما يتمول، وكيف يجيء المال لك أو لي أو لأي إنسان؟. أخرج أحد منا من بطن أمه وهو يملك شيئا؟. لا. إن ما يملكه الإنسان يأتي إما من متحرك في الحياة قبلك إن كان والدك أو جدك وإما من حركتك أنت. إذن لا يقال: " آتى المال " إلا إذا ثبتت له حركة ذاتية يصير بها متمولا، أو ورث عن متمول، والمتمول هو الذي يتحرك في الحياة حركة قد تكون لنفسه، وإن اتسعت حركته فستكون لأبنائه، وإن اتسعت أكثر فستكون لأحفاده. والحق يقول: ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ [البقرة: 177] وكلمة الحب مصدر، والمصدر أحيانا يضاف إلى فاعله، وأحيانا يضاف إلى المفعول الواقع عليه، مثلا كلمة " ضرب " نحن نقول: ضرب زيد عمر، وهكذا نجد ضاربا هو " زيد " ومضروبا هو " عمر ". وإذا قيل: " أعجبني ضرب زيد ". إن قلت: " لعمر " عرفنا الضارب والمضروب، وإن سكت عند قولك: " أعجبني ضرب زيد " فهي تحتمل معنيين، الضرب الصادر من زيد، أو الضرب الواقع على زيد. فساعة تأتي بالمصدر ويضاف إلى شيء فيصح أن يضاف إلى فاعله وأن يضاف إلى مفعوله. ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ [البقرة: 177] يمكن أن نفهمها على أكثر من معنى: يمكننا أن نفهمها على أنه يعطي المال وهو يحب المال، ويحتمل أن نفهمها على أنه يؤتي المال لأنه يحب أن يعطي مما يحبه من المال عملا بقول الله تعالى ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٤