تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر بحسبان

[الرحمن: 1-5]. أي أن الكون يسير بنظام دقيق جدا لا يختل أبدا، لأنه لو حدث أدنى خلل في أداء الشمس والقمر لوظيفتيهما فنظام الكون يفسد. لذلك لم يقل الحق: " الشمس والقمر بحساب " ، وإنما قال: " بحسبان " وبعد ذلك فيه فرق بين " الحسبان " و " المحسوب بالحسبان " والحق سبحانه وتعالى حينما يقول:

فالق الإصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا..

[الأنعام: 96]. لم يقل: بحسبان، لأنها هي في ذاتها حساب وليست محسوبة، أي أن حسابها آلي. وتأتي الكلمة بصورة أخرى في سورة الكهف في قوله تعالى:

ويرسل عليها حسبانا من السمآء..

[الكهف: 40]. المعنى هنا شيء للعقاب على قدر الظلم تماما، هذه هي مادة الحساب.. وقولهم: " حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " في ظاهرها أبلغ من قولهم: " نتبع ما ألفينا عليه آبآءنا " لكن كل من اللفظين مناسب للسياق الذي جاء فيه ف " اتبعوا " يناسبها " نتبع ما ألفينا " وقوله تعالى: " وإذا قيل لهم تعالوا " يناسبها قولهم: " حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " ، يعني كافينا ما عندنا ولا نريد شيئا غيره. ومن هنا نفهم لماذا جاء الحق في آية البقرة بقوله: " اتبعوا " ، وفي آية المائدة: " تعالوا " ، وجاء جوابهم في سورة البقرة: " بل نتبع " ، وفي سورة المائدة: " حسبنا ". وهناك خلاف ثالث في الآيتين: ففي آية البقرة قال: " أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ". وفي آية المائدة قال " أولو كان آباؤهم لا يعلمون ". الخلاف في " لا يعقلون " و " لا يعلمون ". وما الفرق بين " يعقلون " و " يعلمون "؟. إن " يعقلون " تعني ما ينشأ عن فكرهم وتدبرهم للأمور، لكن هناك أناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك يأخذون القضايا مسلما بها كعلم من غيرهم الذي عقل. إذن فالذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل، لأن الذي عقل هو إنسان قد استنبط، وأما الذي علم فقد أخذ علم غيره. وعلى سبيل المثال، فالأمي الذي أخذ حكما من الأحكام هو قد علمه من غيره، لكنه لم يتعقله، إذن، فنفي العلم عن شخص أبلغ من نفي التعقل لأن معنى " لا يعلم " أي أنه ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه. وعندما يقول الحق سبحانه: ﴿ لا يعقلون شيئا ﴾ [البقرة: 170] فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا، لكن عندما يقول: " لا يعلمون " فمعناه أنهم لا يعقلون ولا يعلمون، وهذا يناسب ردهم. فعندما قالوا: " بل نتبع " فكان وصفهم ب " لا يعقلون ". وعندما قالوا: " حسبنا " وصفهم بأنهم " لا يعلمون " كالحيوانات تماما. نخلص مما سبق أن هناك ثلاث ملحوظات على الآيتين: في الآية الأولى قال: " اتبعوا " ، وكان الرد منهم " نتبع ما ألفينا " والرد على الرد " أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ". وفي الآية الثانية قال: " تعالوا " ، وكان الرد منهم " حسبنا " ، فكان الرد عليهم " أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ".

وهكذا نرى أن كلا من الآيتين منسجمة، ولا يقولن أحد: إن آية جاءت بأسلوب، والأخرى بأسلوب آخر، فكل آية جاءت على أسلوبها يتطلبها فهي الأبلغ، فكل آية في القرآن منسجمة كلماتها مع جملها ومع سياقها. وقوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ [البقرة: 170] مبنية للمجهول ليتضمن كل قول جاء على لسان أي رسول من الله من بدء الرسالات، فهي ليست قضية اليوم فقط إنما هي قضية قيلت من قبل ذلك. إن المعنى هو: إذا قيل لهم من أي رسول، اتبعوا ما أنزل الله قالوا: ﴿ بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ﴾ [البقرة: 170]. ويختم الحق الآية في سورة البقرة بقوله: " ولا يهتدون ". وكذلك كان ختام آية المائدة: " ولا يهتدون " لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم، فالأولى جاءت بعد قوله تعالى: ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ﴾ [البقرة: 170] والثانية جاءت في ختام قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٤