تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الحجر: 1-3]. هكذا يخبرنا الحق أن آيات كتابه الكريم ومنهجه لا تؤخذ بالتمني، ولكن لابد أن يعمل بها، وأن الذين كفروا في تمتعهم بالحياة الدنيا لا يرتفعون فوق مرتبة الأنعام، وأنهم يتعلقون بأمل كاذب في أن النعيم في الدنيا فقط، ولكن الحقيقة غير ذلك وسوف يعلمون. وهكذا بعد أن تعرضنا بإيجاز لبعض الآيات التي ورد فيها ذكر الكتاب أنه كتاب يبصرنا بقضية القمة في العقيدة وهي أنه لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله. وهو بهذا يخرج الناس من الظلمات الى النور. ويلفتهم إلى آيات الكون.. وليعرفوا أن هناك آخرة ونعيما أبديا وشقاء أبديا، وليقيم الدليل والحجة على الكافرين، وأن قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب.. ﴾ [البقرة: 2] يحمل معنى التفوق الكامل الشامل على كل ما سبقه من كتب. وأنه سيظل كذلك حتى قيام الساعة ولذلك وصفه الحق تبارك وتعالى بأنه " كتاب " ليكون دليلا على الكمال. ولابد أن نعرف أن ﴿ ذلك.. ﴾ [البقرة: 2] ليست كلمة واحدة.. وإنما هي ثلاث كلمات.. " ذا " إسم إشارة.. " واللام " تدل على الابتعاد ورفعة شأن القرآن الكريم، و " ك " لمخاطبة الناس جميعا بأن القرآن الكريم له عمومية الرسالة إلى يوم القيامة. ونحن عندما نقرأ سورة البقرة نستطيع أن نقرأ آيتها الثانية بطريقتين.. الطريقة الأولى أن نقول ﴿ الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه.. ﴾ [البقرة: 1-2] ثم نصمت قليلا ونضيف: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] والطريقة الثانية أن نقول: ﴿ الم * ذلك الكتاب لا ريب.. ﴾ [البقرة: 2] ثم نصمت قليلا ونضيف: ﴿ فيه هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] وكلتا الطريقتين توضح لنا معنى " لا ريب " أي: لا شك.

. أو نفي للشك وجزم مطلق أنه كتاب حكيم منزل من الخالق الأعلى. وحتى نفهم المنطلق الذي نأخذ منه قضايا الدين، والتي ستكون دستورنا في الحياة، فلابد أن نعرف ما هو الهدى ومن هم المتقون؟ الهدى هو الدلالة على طريق يوصلك إلى ما تطلبه. فالإشارات التي تدل المسافر على الطريق هي هدى له لأنها تبين له الطريق الذي يوصله إلى المكان الذي يقصده.. والهدى يتطلب هاديا ومهديا وغاية تريد أن تحققها. فإذا لم تكن هناك غاية أو هدف فلا معنى لوجود الهدى لأنك لا تريد أن تصل إلى شيء.. وبالتالي لا تريد من أحد أن يدلك على طريق. إذن لابد أن نوجد الغاية أولا ثم نبحث عمن يوصلنا اليها. وهنا نتساءل: من الذي يحدد الهدف ويحدد لك الطريق للوصول إليه؟ إذا أخذنا بواقع حياة الناس، فإن الذي يحدد لك الهدف لابد أن تكون واثقا من حكمته.. والذي يحدد لك الطريق لابد أن يكون له من العلم ما يستطيع به أن يدلك على أقصر الطرق لتصل إلى ما تريد. فإذا نظرنا إلى الناس في الدنيا نجد أنهم يحددون مطلوبات حياتهم ويحددون الطريق الذي يحقق هذه المطلوبات.. فالذي يريد أن يبني بيتا مثلا يأتي بمهندس يضع له الرسم، ولكن الرسم قد يكون قاصرا على أن يحقق الغاية المطلوبة فيظل يغير ويبدل فيه. ثم يأتي مهندس على مستوى أعلى فيضع تصورا جديدا للمسألة كلها.. وهكذا يكون الهدف متغيرا وليس ثابتا. وعند التنفيذ قد لا توجد المواد المطلوبة فنغير ونبدل لنأتي بغيرها ثم فوق ذلك كله قد تأتي قوة أعلى فتوقف التنفيذ أو تمنعه. إذن، فأهداف الناس متغيرة تحكمها ظروف حياتهم وقدراتهم: والغايات التي يطلبونها لا تتحقق لقصور علم البشر وإمكاناته. إذن، فكلنا محتاجون إلى كامل العلم والحكمة ليرسم لنا طريق حياتنا.. وأن يكون قادرا على كل شيء، ومالكا لكل شيء، والكون خاضع لإرادته حتى نعرف يقينا أن ما نريده سيتحقق، وأن الطريق الذي سنسلكه سيوصلنا إلى ما نريده. وينبهنا الله سبحانه وتعالى إلى هذه القضية فيقول:

قل إن هدى الله هو الهدى..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧