تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. إذن هو من أجل بقاء نوعه.. والذي يريد بقاء النوع لا يكفيه أن يكون له ولد واحد. لو فرضنا جدلا أن له ولدا واحدا فالمفروض أن هذا الولد يكون له.. ولكننا لم نر أولادا لمن زعموا أنه ابن الله.. وعندما وقبلما يوجد الولد ماذا كان الله سبحانه وتعالى يفعل وهو بدون ولد؟ وماذا استجد على الله وعلى كونه بعد أن اتخذ ولدا كما يزعمون.. لم يتغير شيء في الوجود.. إذن إن وجود ولد بالنسبة للإله لم يعطه مظهرا من مظاهر القوة.. لأن الكون قبل أن يوجد الولد المزعوم وبعده لم يتغير فيه شيء. إذن فما سبب اتخاذ الولد؟ معونة؟ الله لا تضعف قوته.. ضمان للحياة؟ الله حياته أزلية.. هو الذي خلق الحياة وهو الذي يهبها وهو حي لا يموت.. فما هي حاجته لأي ضمان للحياة؟ الحق سبحانه وتعالى تنفعل له الأشياء.. أي إنه قادر على إبراز الشيء بمقتضى حكمه.. وهو جل جلاله له كمال الصفات أزلا.. وبكمال صفاته خلق هذا الكون وأوجده.. لذلك فهو ليس في حاجة إلى أحد من خلقه.. لأنه ساعة خلق كانت له كل صفات القدرة على الخلق.. بل قبل أن يخلق كانت له كل صفات الخالق وبهذه الصفات خلق.. والله سبحانه وتعالى كان خالقا قبل أن يخلق أحدا من خلقه.. وكان رزاقا قبل أن يوجد من يرزقه.. وكان قهارا قبل أن يوجد من يقهره.. وكان توابا قبل أن يوجد من يتوب عليه.. وبهذه الصفات أوجد وخلق ورزق وقهر وتاب على خلقه. إذن كل هذا الكون لم يضف صفة من صفات الكمال إلى الله.. بل إن الله بكمال صفاته هو الذي أوجد. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي:

" يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر.. "

ثم إذا كان لله سبحانه وتعالى زوجة وولد.. فمن الذي وجد أولا؟.. إذا كان الله سبحانه وتعالى قد وجد أولا.. ثم بعد ذلك أوجد الزوجة والولد فهو خالق وهما مخلوقان.. وإن كان كل منهم قد أوجد نفسه فهم ثلاثة آلهة وليسوا إلها واحدا.. إذن فالولد إما أن يكون مخلوقا أو يكون إلها.. والكمال الأول لله لم يزده الولد شيئا.. ومن هنا يصبح وجوده لا قيمة له.. وحين يعرض الحق تبارك وتعالى هذه القضية يعرضها عرضا واسعا في كثير من سور القرآن الكريم وأولها سورة مريم في قوله تعالى:

وقالوا اتخذ الرحمن ولدا

[مريم: 88]. إنه سبحانه منزه عن التماثل مع خلقه.. لا بالذات ولا بالصفات ولا بالأفعال.. كل شيء تراه في الوجود.. الله منزه عنه.. وكل شيء يخطر على بالك فالله غير ذلك.. قوله تعالى: ﴿ له ما في السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 116].. فتلك قضية تناقض اتخاذ الولد لأن كل ما في السماوات والأرض خاضع لله.. قوله تعالى ﴿ كل له قانتون ﴾ [البقرة: 116].. أي خاضعون، وهذا يؤكد لنا أن كون الله في قبضة الله خاضع مستجيب اختيارا أو قهرا لأمر الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٩