يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون
[الأنفال: 65]. كأن المقياس ساعة نزول هذه الآية أن الواحد من المؤمنين يقابل عشرة من الكفار ويغلبهم.. ولكن كانت هذه عملية شاقة على المؤمنين.. ولذلك نسخها الله ليعطينا على قدر طاقتنا.. فنزلت الآية الكريمة:
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين
[الأنفال: 66]. والحق سبحانه وتعالى علم أن المؤمنين فيهم ضعف.. لذلك لن يستطيع الواحد منهم أن يقاتل عشرة ويغلبهم.. فنقلها إلى خير يسير يقدر عليه المؤمنون بحيث يغلب المؤمن الواحد اثنين من الكفار.. وهذا حكم لا يدخل في العقيدة ولا في الإخبار.
. وفي أول نزول القرآن كانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة يمسكونها في البيت لا تخرج منه حتى تموت.. واقرأ قوله تعالى:
واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا
[النساء: 15]. وبعد أن شاع الإسلام وامتلأت النفوس بالإيمان.. نزل تشريع جديد هو الرجم أو الجلد.. ساعة نزل الحكم الأول بحبسهن كان الحكم الثاني في علم الله.. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾.. وقوله سبحانه:
فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره..
[البقرة: 109]. وقوله تعالى حتى يأتي الله بأمره.. كأن هناك حكما أو أمرا في علم الله سيأتي ليعدل الحكم الموجود.. إذن الله حين أبلغنا بالحكم الأول أعطانا فكرة.. أن هذا الحكم ليس نهائيا وأن حكما جديدا سينزل.. بعد أن تتدرب النفوس على مراد الله من الحكم الأول.. ومن عظمة الله أن مشيئته اقتضت في الميراث أن يعطي الوالدين اللذين بلغا أرذل العمر فقال جل جلاله:
كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين
[البقرة: 180]. وهكذا جعلها في أول الأمر وصية ولم تكن ميراثا.. لماذا؟ لأن الإنسان إن مات فهو الحلقة الموصولة بأبيه.. أما أبناؤه فحلقة أخرى.. ولما استقرت الأحكام في النفوس وأقبلت على تنفيذ ما أمر به الله.. جعل سبحانه المسألة فرضا.. فيستوفى الحكم. ويقول جل جلاله:
يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بهآ أو دين آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما
[النساء: 11]. وهكذا بعد أن كان نصيب الوالدين في تركة الإبن وصية.. إن شاء أوصى بها وإن شاء لم يوص أصبحت فرضا.. وقوله تعالى: ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ [البقرة: 106].. أي كل شيء يدخل في إرادة الله وقدرته سبحانه.. إذا قلنا إذا جاء الله بحكم لعصر فهذا هو قمة الخير.. لأنه إذا عدل الحكم بعد أن أدى مهمته في عصره، فإن الحكم الجديد الذي يأتي هو قمة الخير أيضا.. لأن الله على كل شيء قدير، يواجه كل عصر بقمة الخير للموجودين فيه.. ولذلك فمن عظمة الله أنه لم يأت بالحكم خبرا من عنده ولكنه أشرك فيه المخاطب.. فلم يقل سبحانه " إن الله على كل شيء قدير ".. ولكنه قال: ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ [البقرة: 106].. لأنه واثق أن كل من يسمع سيقول نعم.. وهذا ما يعرف بالاستفهام الإنكاري أو التقريري.