تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. فاختاروا عدم الهداية.. لقد أثارت هذه القضية جدلا كبيرا بين العلماء ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا الجدل.. فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿ بل لعنهم الله بكفرهم ﴾ [البقرة: 88].. واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله.. ويتم ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى.. لأن الطرد يتناسب مع قوة الطارد. فمثلا.. ابنك الصغير يطرد حجرا أمامه تكون قوة الطرد متناسبة مع سنه وقوته.. والأكبر أشد فأشد.. فإذا كان الطارد هو الله سبحانه وتعالى فلا يكون هناك مقدار لقوة اللعن والطرد يعرفه العقل البشري. قوله تعالى: ﴿ بل لعنهم الله بكفرهم ﴾ [البقرة: 88].. أي طردهم الله بسبب كفرهم.. والله تبارك وتعالى لا يتودد للناس لكي يؤمنوا.. ولا يريد للرسل أن يتعبوا أنفسهم في حمل الناس على الإيمان.. إنما وظيفة الرسل هي البلاغ حتى يكون الحساب حقا وعدلا.. واقرأ قوله جل جلاله:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين

[الشعراء: 3-4]. أي أنهم لا يستطيعون ألا يؤمنوا إذا أردناهم مؤمنين قهرا.. ولكننا نريدهم مؤمنين اختيارا.. وإيمان العبد هو الذي ينتفع به.. فالله لا ينتفع بإيمان البشر.. وقولنا لا إله إلا الله لا يسند عرش الله.. قلناها أو لم نقلها.. فلا إله إلا الله.. ولكننا نقولها لتشهد علينا يوم القيامة.. نقولها لتنجينا من أهوال يوم القيامة ومن غضب الله.. وقوله تعالى: " بكفرهم " يعطينا قضية مهمة هي: أنه تبارك وتعالى أغنى الشركاء عن الشرك. فمن يشرك معه أحدا فهو لمن أشرك.. لذلك يقول الحق جل جلاله في الحديث القدسي:

" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه "

وشهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه بالألوهية.. هي شهادة الذات للذات.. وذلك في قوله تعالى:

شهد الله أنه لا إله إلا هو..

[آل عمران: 18]. فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق خلقا يشهدون أنه لا إله إلا الله.. شهد لنفسه بالألوهية.. ولنقرأ الآية الكريمة:

شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط..

[آل عمران: 18]. والله سبحانه وتعالى شهد لنفسه شهادة الذات للذات. والملائكة شهدوا بالمشاهدة.. وأولو العلم بالدليل.. والحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ فقليلا ما يؤمنون ﴾ [البقرة: 88].. عندما تقول قليلا ما يحدث كذا، فإنك تقصد به هنا صيانة الاحتمال، لأنه من الممكن أن يثوب واحد منهم إلى رشده ويؤمن.. فيبقي الله الباب مفتوحا لهؤلاء. ولذلك نجد الذين أسرفوا على أنفسهم في شبابهم قد يأتون في آخر عمرهم ويتوبون.. في ظاهر الأمر أنهم أسرفوا على أنفسهم.. ولكنهم عندما تابوا واعترفوا بخطاياهم وعادوا إلى طريق الحق تقبل الله إيمانهم.. لذلك يقول الله جل جلاله: ﴿ فقليلا ما يؤمنون ﴾ [البقرة: 88] أي أن الأغلبية تظل على كفرها.. والقلة هي التي تعود إلى الإيمان.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٩