تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض

[الأنفال: 67]. ولكن القرآن أتى بها أسارى.. واللغة أحيانا تأتي على غير ما يقتضيه قياسها لتلفتك إلى معنى من المعاني.. فكسلان تجمع كسالى.. والكسلان هو هابط الحركة.. الأسير أيضا أنت قيدت حركته.. فكأن جمع أسير على أسارى إشارة إلى تقييد الحركة.. القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى.. ولكنه حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلى تقييد الحركة مثل كسالى.. ومعنى وجود الأسرى أن حربا وقعت.. لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام.. ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل عدوه. كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة سعار اللقاء.. فكأن الله أراد أن يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب فقال لهم استأسروهم.. لا تقتلوهم إلا إذا كنتم مضطرين للقتل.. ولكن خذوهم أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية.. وهذا تشريع من ضمن تشريعات الرحمة.. لأنه لو لم يكن الأسر مباحا.. لكان لابد إذا التقى مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر.. لذلك يقال خذه أسيرا إلا إذا كان وجوده خطرا على حياتك. وقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ [البقرة: 85].

. كانت على طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج.. وكانت تخرج المغلوب من ديارهم وتأخذ الديار.. وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم.. أي يأخذون منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم. لماذا يقسم اليهود أنفسهم هذه القسمة.. إنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة دنيوية.. لماذا؟ لأنه ليس من المعقول وأنتم أهل كتاب.. ثم تقسمون أنفسكم قسما مع الأوس وقسما مع الخزرج.. ويكون بينكم إثم وعدوان. وقوله تعالى: ﴿ تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ﴾ [البقرة: 85].. تظاهرون عليهم. أي تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: " بالإثم ".. والإثم هو الشيء الخبيث الذي يستحي منه الناس: " والعدوان ".. أي التعدي بشراسة.. وقوله تعالى: ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ [البقرة: 85].. أي تخرجونهم من ديارهم وتأخذوا الفدية لترجعوها إليهم. ثم يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ [البقرة: 85].. أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية.. وتقسمون أنفسكم مع الأوس أو الخزرج.. تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب.. مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ﴾ [البقرة: 85] أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه.. سيصيبكم الله بخزي في الدنيا.. أي أن الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا.. وماذا في الآخرة؟ يقول الله تعالى: ﴿ ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ﴾ [البقرة: 85] الخزي في الدنيا أصابهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.. وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في المدينة.. كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين.. وهكذا لا يؤخر الله سبحانه وتعالى جزاء بعض الذنوب إلى الآخرة.. وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة، لأن المظلوم لابد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل نظام الكون.. ويعرف الناس أن الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد.. اليهود أتاهم خزي الدنيا سريعا: ﴿ ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ﴾ [البقرة: 85]. قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة؟ نقول لا.. لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا.. ولم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم.. فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود الله يعفيه من عذاب الآخرة.. فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم.. هؤلاء نالهم عذاب من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٣