تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. لأنه أثبت أن التوسل جائز بمن ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لابد أن نتحدث كيف أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن قابل بنو إسرائيل النعمة بالجحود والنكران فكيف يسقيهم؟.. نقول إنها النبوة الرحيمة التي كانت السبب في تنزل الرحمة تلو الرحمة على بني إسرائيل.. وكان طمع موسى في رحمة الله بلا حدود.. ولذلك فإن الدعوات كانت تتوالى من موسى عليه السلام لقومه.. وكانت الاستجابة من الله تأتي. كان من المفروض لاستكمال المعنى أن يقال وإذا استسقى موسى ربه لقومه فقال يا رب اسقهم.. ولكن هذه لم تأت حذفت وجاء بعدها الإجابة: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر ﴾ [البقرة: 60].. إذن قوله يا رب اسق قومي واستجابة الله له محذوفة لأنها مفهومة.. ولذلك جاء القرآن باللفتات الأساسية وترك اللفتات المفهومة لذكاء الناس.. تماما كما جاء في سورة النمل: الهدهد ذهب ورأى ملكة بلقيس وعرشها. وعاد إلى سليمان وأخبره. فطلب سليمان من الهدهد أن يلقي إلى ملكة سبأ وقومها كتابا وقال:

اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون * قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم

[النمل: 28-29]. فسليمان أمر الهدهد أن يلقي كتابا إلى بلقيس وقومها، والآية التي بعدها جاءت بقوله تعالى: قالت

قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم

[النمل: 29] كل التفاصيل حذفت من أن الهدهد أخذ الكتاب وطار إلى ملكة سبأ وألقى الكتاب أمام عرشها.. والتقطت بلقيس ملكة سبأ الكتاب وقرأته، ودعت قومها وبدأت تروي إليهم قصة الكتاب.. كل هذا حذف لأنه مفهوم. قال موسى: يا رب اسق قومي.. والله سبحانه وتعالى قال له: إن أردت الماء لقومك.. كل هذا محذوف.. وتأتي الآية الكريمة: ﴿ فقلنا اضرب بعصاك الحجر ﴾ [البقرة: 60]. ﴿ اضرب بعصاك الحجر ﴾ [البقرة: 60] لنا معها وقفة.. الإنسان حين يستسقي الله.. يطلب منه أن ينزل عليه مطرا من السماء، والحق تبارك وتعالى كان قادرا على أن ينزل على بني إسرائيل مطرا من السماء. ولكن الله جل جلاله أراد المعجزة.. فقال سأمدكم بماء ولكن من جنس ما منعكم الماء وهو الحجر الموجود تحت أرجلكم.. لن أعطيكم ماء من السماء.. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يري بني إسرائيل مدى الإعجاز.. فأعطاهم الماء من الحجر الذي تحت أرجلهم. ولكن من الذي يتأثر بالضرب: الحجر أم العصا؟.. العصا هي التي تتأثر وتتحطم والحجر لا يحدث فيه شيء.. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد بضربة واحدة من العصا أن ينفلق الحجر.. ولذلك يقول الشاعر:

أيا هازئا من صنوف القدر

بنفسك تعنف لا بالقدر

ويا ضاربا صخرة بالعصا

ضربت العصا أم ضربت الحجر

إن انفجار الماء من ضربة العصا دليل على أن العصا أشارت فقط إلى الصخرة فتفجر منها الماء.. وحتى لو كانت العصا من حديد.. هل تكون قادرة على أن تجعل الماء ينبع من الحجر؟ فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه كان من الممكن أن ينزل الماء من السماء.. ولكن الله أرادها نعمة مركبة.. ليعلموا أنه يستطيع أن يأتي الماء من الحجر الصلب.. وأن نبع الماء من متعلقات " كن ". هنا لابد أن ننظر إلى تعنت بني إسرائيل قالوا لموسى هب أننا في مكان لا حجر فيه. من أين ينبع الماء؟.. لابد أن نأخذ معنا الحجر حتى إذا عطشنا نضرب الحجر بالعصا.. ونسوا أن هناك ما يتم بالأسباب وما يتم بكلمة " كن " ، ولذلك تجد مثلا كبار الأطباء يحتارون في علاج مريض.. ثم يشفى على يد طبيب ناشىء حديث التخرج.. هل هذا الطبيب الناشىء يعرف أكثر من أساتذته الذين علموه؟.. الجواب طبعا لا. إن التلميذ لا يتفوق على أستاذه الذي علمه فليس العلاج بالأسباب وحدها ولكن بقدرة المسبب.. ولذلك جاء موعد الشفاء على يد هذا الطبيب الناشىء، فكشف الله له الداء وألهمه الدواء. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ﴾ [البقرة: 60] لماذا اثنتا عشرة عينا. لأن اليهود كانوا يعيشون حياة انعزال. كل مجموعة منهم كانت تسمى " سبطا " لها شيخ مثل شيخ القبيلة.. والحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ [البقرة: 60] أي كل سبط أو مجموعة ذهبت لمشرب.. نبعت العيون من الحجر وامتدت متشعبة إلى الأسباط جميعا كل في مكانه.. فإذا ما أخذوا حاجتهم ضرب موسى الحجر فيجف. ولذلك نعرف أن الحجر كان يعطيهم الماء على قدر الحاجة وكانت الجهة السفلى من الحجر الملامسة للأرض.. والجهة العليا التي ضرب عليها بالعصا لم ينبع منهما شيء، أما باقي الجهات الأربع فقد نبع منها كل منها ثلاثة ينابيع. وهناك شيء في اللغة يسمونه اللفظ المشترك.. وهو الذي يستخدم في معان متعددة.. فإذا قلت سقى القوم دوابهم من العين.. العين هنا عين الماء، وإذا قلت أرسل الأمير عيونه في المدينة يعني أرسل جنوده.. وإذا قلت اشتريته بعين أي بذهب.. وإذا قلت نظر إلي بعينه شذرا أي ببصره.. إذن كلمة عين تستخدم في أشياء متعددة، ومعناها هنا عين الماء الجارية. قوله تعالى: ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ [البقرة: 60] أي أن كل سبط عرف مكانه الذي يلزمه.. حتى لا يضيع من كل منهم الماء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٩