تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمتشكك في نتيجة عمل لا يقدم عليه أبدا، بل ما يبنيه اليوم يهدمه غدا، وقد أعلن عن هذه النتيجة الخطيرة رئيس مؤتمر المستشرقين في الشرق الأوسط، منذ أكثر من ثلاثين عاما، حينما انعقد المؤتمر في [بيروت] لعرض نتائج أعمالهم ودراسة وأساليب تبشيرهم.

فتشكى المؤتمرون من أن لهم زهاء أربعين سنة من عملهم المتواصل، ولم يستطيعوا أن ينصروا مسلما، واحدا، فقال رئيس المؤتمر إذا لم نستطع أن ننصر مسلما، ولكن استطعنا أن نوجد ذبذبة في الرأي، فقد نجحنا في عملنا.

وهكذا منهج العدو، تشكيك في قضايا الإسلام ليوجد ذبذبة في عقيدة المسلمين، فعن طريق الميراث تارة، وعن طريق تعدد الزوجات أخرى، وعن دوافع القتال، وعن استرقاق الرقيق، وعن وعن.

حتى وجد من أبناء المسلمين من يتخطى حدود الشك إلى التصديق، وأخذ يدعو إلى ما يدعو إليه العدو، وما ذاك كله إلا حصاد ونتائج الوسواس الخناس.

فلا غرو إذا أن تجمع الصفات الجليلة الثلاث: رب الناس، ملك الناس، إله الناس.هذه وجهة النظر الأولى بين سورتي الفلق والناس.

أما الوجهة الثانية وهي بين سورة الناس ونسق المصحف الشريف، بقوله تعالى:

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم

[الفاتحة: 2-7].

وفي هذه البداية الكريمة بث الطمأنينة في القلب المعبر عنها بالحمد، عنوان الرضى والسعادة والإقرار لله بالربوبية، ثم الإيمان بالبعث والإقرار لله بملك يوم الدين، ثم الالتزام بالعبادة لله وحده والالتجاء إليه مستعينا به، مستهديا الصراط المستقيم، سائلا صحبة الذين أنعم عليهم.

ثم يأتي بعدها مباشرة في أول سورة البقرة

ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

[البقرة: 2]، أي أن الهدى الذي تنشده إلى الصراط المستقيم، فهو في هذا الكتاب لا ريب فيه، ثم بين المتقين الذي أنعم الله عليهم بقوله:

الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون

[البقرة: 3-4].

ومرة أخرى للتأكيد: أولئك لا سواهم على هدى من ربك وأولئك هم المفلحون.

ثم تترسل السورة في تقسيم الناس إلى الأقسام الثلاثة: مؤمنين وكافرين ومذبذبين بين بين وهم المنافقون.

ثم يأتي النداء الصريح وهو أول نداء في المصحف لعموم الناس

ياأيها الناس اعبدوا ربكم

[البقرة: 21]، ويقيم البراهين على استحقاقه للعبادة وعلى إمكان البعث بقوله:

الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون

[البقرة: 21-22].

وبعد تقرير الأصل وهي العقيدة، تمضي السورة في ذكر فروع الإسلام، فتشتمل على أركان الإسلام كلها وعلى كثير من مسائل المعاملات والجهاد، وقل من أبواب الفقه إلا وله ذكر في هذه السورة، ويأتي ما بعدها مبينا لما أجمل فيها أو لما يذكر ضمنها.

وهكذا حتى ينتهي القرآن بكمال الشريعة وتمام الدين.

ولما جاء في وصف المتقين المهتدين في أول المصحف، أنهم يؤمنون بالغيب ومنه الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب، أمور الغيب تستلزم اليقين، لترتب الجزاء عليه ثوابا أو عقابا.

والثواب: والعقاب هما نتيجة الفعل والترك.

والفعل والترك: هما مناط التكليف، لأن الإنسان يمتثل الأمر رجاء الثواب، ويكف عن متعلق النهي مخافة العقاب.

فلكأن نسق المصحف يشير إلى ضرورة ما يجب الانتباه إليه، من أن القرآن بدأ بالحمد ثناء على الله بما أنعم على الإنسان بإنزاله، وإرسال الرسول صاحبه به، ثم نقله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وهو الأعظم قدرا وخطرا، ثم رسم له الطريق الذي سلكه المهتدون أهل الإنعام والرضى، ثم أوقفه عليه ليسلك سبيلهم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٦٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٦٣١