تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم

[الأعراف: 27].

وقد يثر عليه خلجات نفسه ونوازع فكره، فلا يجد له خلاصا إلا بالاستعاذة واللجوء إلى رب الناس ملك الناس إله الناس.

أما الوجهتان اللتان نوهنا عنهما، فالأولى بين السورتين وهي مما أورده أبو حيان: إذ في سورة الفلق قال:

قل أعوذ برب الفلق

[الفلق: 1]، ورب الفلق تعادل قوله:

رب العالمين

[الفاتحة: 2].

لأنه ما من موجود في هذا الكون إلا وهو مفلوق عن غيره.

ففي الزرع:

فالق الحب والنوى

[الأنعام: 95].

وفي الزمن:

فالق الإصباح

[الأنعام: 96].

وفي الحيوانات:

الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء

[النساء: 1].

وفي الجمادات يشير إلى قوله تعالى:

أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من المآء كل شيء حي أفلا يؤمنون وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم

[الأنبياء: 30-31].

فرب الفلق تعادل رب العالمين، فقابلها في الاستعاذة بعموم المستعاذ منه، من شر ما خلق.

ثم جاء ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به، وهو من شر غاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، وحاسد إذا حسد.

فالمستعاذ به صفة واحدة، والمستعاذ منه عموم ما خلق جملة وتفصيلا، بينما في السورة الثانية جاء بالمستعاذ به ثلاث صفات العظمة لله تعالى: الرب والملك والإله.

فقابل المستعاذ منه وهو شيء واحد فقط، وهو الوسواس الخناس، وهذا يدل على شدة خطورة المستعاذ منه.

وهو كذلك، لأننا لو نظرنا في واقع الأمر لوجدنا مبعث كل فتنة ومنطلق كل شر عاجلا أو آجلا، لوجدناه بسبب الوسواس الخناس. وهو مرتبط بتاريخ وجود الإنسان.

وأول جناية وقعت على الإنسان الأول، إنما هي من هذا الوسواس الخناس، وذلك أن الله تعالى لما كرم آدم، فخلقه بيده وأسجد الملائكة له وأسكنه الجنة هو وزوجه لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى، يأكلان منها رغدا حيث ما شاءا، إلا من الشجرة الممنوعة، فوسوس إليهما الشيطان حتى أكلا منها ودلاهما بغرور، حتى أهبطوا منها جميعا بعضهم لبعض عدو.

وبعد سكناهما الأرض أتى ابنيهما قابيل وهابيل فلاحقهما أيضا بالوسوسة، حتى طوعت نفس أحدهما قتل أخيه فأصبح من النادمين.

وهكذا بسائر الإنسان في حياته بالوسوسة حتى يربكه في الدنيا، ويهلكه في الآخرة، ولقد اتخذ من المرأة جسرا لكل ما يريد. وها هو يعيد الكرة في نزع اللباس عن أبوينا في الجنة، فينتزعه عنهما في ظل بيت الله الحرام في طوافهم قبل البعثة ولا يزال يغويه، وعن طريق المرأة في كل زمان ومكان ليخرجه عن الاستقامة كما أخرج أبويه من الجنة.

ولا يزال يجلب على الإنسان بخيله ورجله بارا بقسمه بين يدي الله بعزته ليغوينهم أجمعين.

وإن أخطر أبواب الفساد في المجتمعات لهي عن المال أو الدم أو العرض، كما في الحديث في حجة الوداع:

" أن إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا "

إلى آخره.

وهل وجدت جناية على واحد منها، إلا من تأثير الوسواس الخناس. اللهم لا.

وهكذا في الآخرة.

وقد بين تعالى الموقف جليا في مقالة الشيطان البليغة الصريحة:

وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل

[إبراهيم: 22] الآية.

ولقد علم عدو المسلمين أن أخطر سلاح على الإنسان، هو الشك ولا طريق إليه إلا بالوسوسة، فأخذ عن إبليس مهمته وراح يوسوس للمسلمين في دينهم وفي دنياهم، ويشككهم في قدرتهم على الحياة الكريمة مستقلين عنه، ويشككهم في قدرتهم على التقدم والاستغلال الحقيقي، بل وفي استطاعتهم على الإبداع والاختراع، ليظلوا في فلكه ودائرة نفوذه، فيبقى المسلمون يدورون في حلقة مفرغة، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٦٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٦٣٠