وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56].
وفي إضافة الملك إلى الناس من إشعار الاختصاص، مع أنه سبحانه ملك كل شيء، فيه ما في إضافة الرب للناس المتقدم بحثه، فهو سبحانه ملك الملك كما في قوله:
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء
[آل عمران: 26].
وقوله تعالى:
له الملك وله الحمد
[التغابن: 1].
وقوله:
له ملك السماوات والأرض
[البقرة: 107]، وقوله:
الملك القدوس
[الحشر: 23].
فهو سبحانه وتعالى المتفرد بالملك لا شريك له في ملكه، كما قال تعالى:
وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك
[الإسراء: 111] فبدأ بالحمد أولا.
ومثله قوله:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء
[يس: 83]، بدأ بتسبيح نفسه وتنزيهه لعموم الملك ومطلق التصرف ونفي الشريك لأن ملكه ملك تصرف وتدبير مع الكمال في الحمد والتقديس.
وكقوله:
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير
[الملك: 1].
وبهذه النصوص يعلم كمال ملكه تعالى، ونقص ملك ما سواه من ملوك الدنيا، ونعلم أن ملكهم بتمليك الله تعالى إياهم كما في قوله تعالى:
والله يؤتي ملكه من يشآء
[البقرة: 247].
وقوله:
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء
[آل عمران: 26].
ومن المعلوم أن ملوك الدنيا ملكهم سياسة ورعاية، لا ملك تملك وتصرف، وكما في قوله تعالى:
وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء والله واسع عليم
[البقرة: 247].
والجدير بالتنبيه عليه بهذه المناسبة أن " بريطانيا " تحترم نظام الملكية إلى هذا الوقت الحاضر، بدافع من هذا المعتقد، وأنه لا ملك إلا بتمليك الله إياه، وأن ملوك الدنيا باصطفاء من الله.
والآية تشير إلى ما نحن بصدد بيانه، من أن ملوك الدنيا لا يملكون أمر الرعية لأن طالوت ملكا، وليس مالكا لأموالهم.
بينما ملك الله تعالى ملك خلق وإيجاد وتصرف كما في قوله تعالى:
لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير
[الشورى: 49-50].
وعليم قدير هنا من خصائصه سبحانه وتعالى، فيتصرف في ملكه بعلم وعن قدرة كاملتين سبحانه، له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير.
وتظهر حقيقة ذلك إذا جاء اليوم الحق، فيتلاشى كل ملك قل أو كثر، ويذل كل ملك كبر أو صغر، ولم يبق إلا ملكه تعالى يوم هم بارزون، لا يخفى على الله منهم شيء، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار.
وفي سورة الفاتحة
ملك يوم الدين
[الفاتحة: 4].
والقراءة الأخرى
ملك يوم الدين
[الفاتحة: 4].
في القراءتين معا إشعار بالفرق بين ملك الله وملك العباد، كالفرق بين الملك المطلق والملك النسبي، إذ الملك النسبي لا يملك، والملك المطلق، فهو الملك القدوس، والذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجع الخلائق كلهم.
ومن كانت هذه صفاته، فهو المستحق لأن يعبد وحده سبحانه، ولا يشرك معه أحد، وهذا هو شعار العبد في الركن الخامس من أركان الإسلام، حين يهل بالتلبية: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
قوله تعالى: ﴿ إله الناس ﴾.
هذه هي المرتبة الثالثة في كمال العبودية، وإفراد الله تعالى بالألوهية.
وهذا هو محل الإحالة، التي عناها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه فيما يظهر، لأن العبد إذا أقر بأن الله تعالى ربه وخالقه، ومنعم عليه أوجده من العدم، ورباه بالنعم، لا رب سواه، ثم تدرج بعلمه ويقينه إلى الإقرار بأن ربه هو مليكه والمتصرف في أمره وحده، وأنه لا يملك هو نفسه مع الله شيئا، ولا يملك له أحد من الله شيئا.