الحمد لله رب العالمين
[الفاتحة: 2].
وفي قوله:
قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء
[الأنعام: 164].
فالإضافة هنا إلى بعض أفراد العام.
وقد أضيف إلى بعض أفراد أخرى كالسماوات والأرض وغيرها من بعض كل شيء، كقوله:
قل من رب السماوات والأرض قل الله
[الرعد: 16].
وقوله:
رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا
[المزمل: 9].
وإلى البيت
فليعبدوا رب هذا البيت
[قريش: 3].
وإلى البلد الحرام
إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة
[النمل: 91].
وإلى العرش
رب العرش الكريم
[المؤمنون: 116].
وإلى الرسول
اتبع مآ أوحي إليك من ربك
[الأنعام: 106].
وقوله:
وربك فكبر
[المدثر: 3]، إلى غير ذلك.
ولكن يلاحظ أنه مع كل إضافة من ذلك ما يفيد العموم، وأنه مع إضافته لفرد من أفراد العموم، فهو رب العالمين، ورب كل شيء، ففي إضافته إلى السماوات والأرض جاء معها
قل الله
[الرعد: 16].
وفي الإضافة إلى المشرق والمغرب جاء
لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا
[المزمل: 9].
وفي الإضافة إلى البيت جاء
الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
[قريش: 4] وهو الله سبحانه.
وفي الإضافة إلى البلدة جاء
الذي حرمها
[النمل: 91]، وهو الله تعالى.
وفي الإضافة إلى العرش جاء قوله تعالى:
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش
[المؤمنون: 116].
وفي الإضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم جاء قوله:
ما ودعك ربك
[الضحى: 3]، وغير ذلك من الإضافة، إلى أي فرد من أفراد العموم يأتي معها ما يفيد العموم، وأن الله رب العالمين.
وهنا رب الناس جاء معها ﴿ ملك الناس إله الناس ﴾ [الناس: 2-3]، ليفيد العموم أيضا. لأن إطلاق الرب قد يشارك فيه السيد المطاع، كما في قوله:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله
[التوبة: 31].
وقول يوسف لصاحبه في السجن:
اذكرني عند ربك
[يوسف: 42]، أي الملك على أظهر الأقوال، وقوله:
ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة
[يوسف: 50] الآية.
فجاء بالملك والإله للدلالة على العموم، في معنى رب الناس، فهو سبحانه رب العالمين ورب كل شيء، ولكن إضافته هنا إلى خصوص الناس إشعار بمزيد اختصاص، ورعاية الرب سبحانه لعبده الذي دعاه إليه ليستعيذ به من عدوه، كما أن فيه تقوية رجاء العبد في ربه بأنه سبحانه بربوبيته سيحمي عبده لعبوديته ويعيذه مما استعاذ به منه.
ويقوي هذا الاختصاص إضافة الرب للرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أطواره منذ البدأين: بدأ الخلقة وبدأ الوحي، في قوله:
اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق
[العلق: 1-2]، ثم في نشأته
ما ودعك ربك وما قلى
[الضحى: 3] - إلى قوله
ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضآلا فهدى ووجدك عآئلا فأغنى
[الضحى: 6-8].
وجعل الرغبة إليه في السورة بعدها
وإلى ربك فارغب
[الشرح: 8]، بعد تعداد النعم عليه من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، ثم في المنتهى قوله:
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8].
قوله تعالى: ﴿ ملك الناس ﴾ ، في مجيء ملك الناس بعد رب الناس، تدرج في التنبيه على تلك المعاني العظام، وانتقال بالعباد من مبدإ الإيمان بالرب لما شاهدوه من آثار الربوبية في الخلق والرزق، وجميع تلك الكائنات، كما تقدم في أول نداء وجه إليهم
اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم
[البقرة: 21-22].
كل هذه الآثار التي لمسوها وأقروا بموجبها، بأن الذي أوجدها هو ربهم، ومن ثم ينتقلون إلى الدرجة الثانية، وهي أن ربه الذي هذه أفعاله هو ملكه وهو المتصرف في تلك العوالم، وملك لأمره وجميع شؤونه، ومالك لأمر الدنيا والآخرة جميعا.
فإذا وصل بإقراره إلى هذا الإدراك، أقر له ضرورة له بالألوهية وهي المرتبة النهاية. إله الناس أي مألوههم ومعبودهم وهو ما خلقهم إليه،