وبتأمل قول القرطبي والنووي بدقة لا يوجد بينهما خلاف في الأصل، إذ القرطبي يقيد كلامه بما يتكرر منه بحيث يصير عادة له.
والنووي يقول: إنه لا يقتل غالبا، وعليه فلو ثبت أنه يقتل غالبا وتكرر ذلك منه، فإنه يتفق مع كلام القرطبي تماما في أن من أتلف بعينه وكان معتادا منه ذلك فهو ضامن، وهذا معقول المعنى، والله تعالى أعلم.
وعند الحنابلة في كشاف القناع ما نصه: والمعيان الذي يقتل بعينه.
قال ابن نصر الله في حواشي الفروع: ينبغي أن يلحق بالساحر الذي يقتل بسحره غالبا، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها ويفعله باختياره وجب به القصاص 1ه.
مسألة
بيان ما تعالج به العين
لما كان الحسد أضر ما يكون على الإنسان، والإصابة بالعين حق لا شك فيها وجاء فيها:
" لو أن شيئا يسبق القدر لسبقته العين ".
وحديث:
" إن العين لحق "
فقد فصلت السنة كيفية اتقائها قبل وقوعها، والعلاج منها إذا وقعت.
وذلك فيما رواه مالك في الموطأ وغيره من الصحاح، في حديث سهل بن حنيف، وبوب البخاري في صحيحه باب رقعة العين، وذكر حديث
" عائشة أنها قالت: " أمرني النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمر أن يسترقي من العين " ".
وعقد مالك في الموطأ بابا بعنوان " الوضوء من العين " وباب آخر بعده بعنوان " الرقية من العين " ، وساق حديث سهل بتمامه وفيه بيان كيفية اتقائها وعلاجها، ولذا نكتفي بإيراده لشموله.
قال:
" عن محمد بن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حنيف بالحرار فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد، قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأوتي رسول الله فأخبر أن سهلا وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علام يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت، إن العين حق، توضأ له فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس " ".
وساق مرة أخرى وفيه، فقال صلى الله عليه وسلم " هل تتهمون له أحدا؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله صلى عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه، وقال:
" علام يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت، اغتسل له، "
فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه فراح سهل مع الناس، ليس به بأس ".
فهذه القصة تثبت قطعا وقوع العين، وهذا أمر مجمع عليه من أهل السنة وسلف الأمة، كما أنها ترشد إلى أن من برك، أي قال: تبارك الله.
وفي بعض الروايات لغير مالك: هلا كبرت، أي يقول: الله أكبر ثلاثا، فإذن ذلك يرد عين العائن.
كما جاء في السنة
" أن الدعاء يرد البلاء "
فإذا لم تدفع عند صدورها وأصابت، فإن العلاج منها كما جاء هنا توضأ، واللفظ الآخر:
" اغتسل له ".
وقد فصل المراد بالغسل له: أنه غسل الوجه واليدين أي الكفين فقط، والمرفقين والركبتين والقدمين وطرف الإزار الداخلي، ويكون ذلك في إناء لا يسقط الماء على الأرض، ويفرغ هذا الماء على المصاب من الخلف ويكفؤ الإناء خلفه.
وقد ذكرها مفصلة القاضي الباجي في شرح الموطأ فقال: وروي عن يحيى بن يحيى عن ابن نافع في معنى الوضوء الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يغسل الذي يتهم بالرجل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه ورجليه وداخلة إزاره، وقال: ولا يغسل ما بين اليد والمرفق، أي لا يغسل الساعد من اليد.
وروي عن الزهري أنه قال: الغسل الذي أدركنا علماءنا يصفونه: أن يؤتى العائن بقدح فيه ماء، فيمسك مرتفعا من الأرض فيدخل فيه كفه فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح صبة واحدة، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على ظهر كفه اليسرى صبة واحدة، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على قدمه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على ركبته اليسرى، كل ذلك في قدح ثم يدخل داخلة إزاره في القدح ولا يوضع القدح في الأرض، فيصب على رأس المعين من خلفه صبة واحدة، وقيل: يغتفل ويصب عليه، أي في حالة غفلته، ثم يكفأ القدح على ظهر الأرض وراءه.