فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب
[مريم: 5-6] الآية.
والله سبحانه وتعالى حي باق يرث ولا يورث كما قال تعالى:
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك
[الرحمن: 26-27] الآية.
وقوله:
ولله ميراث السماوات والأرض
[آل عمران: 180].
فإذا كان لله سبحانه وتعالى كل ما في السماوات والأرض في قنوت وامتثال طوعا أو كرها، كما قال تعالى:
وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 92-93].
فهو سبحانه وتعالى ليس في حاجة إلى الولد لغناه عنه.
ثم بين سبحانه قدرته على الإيجاد والإبداع في قوله تعالى:
بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون
[البقرة: 117].
وهذا واضح في نفي الولد عنه سبحانه وتعالى.
وقد تمدح سبحانه في قوله:
وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا
[الإسراء: 111].
أما أنه لم يولد. فلم يدع أحد عليه ذلك. لأنه ممتنع عقلا، بدليل الممانعة المعروف وهو كالآتي:
لو توقف وجوده سبحانه على أن يولد لكان في وجوده محتاجا إلى من يوجده، ثم يكون من يلده في حاجة إلى والد، وهكذا يأتي الدور والتسلسل وهذا باطل.
وكذلك فإن الحاجة إلى الولد بنفيها معنى الصمدية المتقدم ذكره، ولو كان له والد لكان الوالد أسبق وأحق، تعالى الله عن ذلك.
وقد يقال: من جانب الممانعة العقلية لو افترض على حد قوله:
قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين
[الزخرف: 81].
فنقول على هذا الافتراض: لو كان له ولد فما مبدأ وجود هذا الولد وما مصيره؟ فإن كان حادثا فمتى حدوثه؟ وإن كان قديما تعدد القدم، وهذا ممنوع.
ثم إن كان باقيا تعدد البقاء، وإن كان منتهيا فمتى انتهاؤه؟
وإذا كان مآله إلى الانتهاء فما الحاجة إلى إيجاده مع عدم الحاجة إليه، فانتفى اتخاذ الولد عقلا ونقلا، كما انتفت الولادة كذلك عقلا ونقلا.
وقد أورد بعض المفسرين سؤالا في هذه الآية، وهو لماذا قدم نفي الولد على نفي الولادة؟ مع أن الأصل في المشاهد أن يولد ثم يلد؟
وأجاب بأنه من تقديم الأهم لأنه رد على النصارى في قولهم: عيسى ابن الله، وعلى اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى قول المشركين: الملائكة بنات الله، ولأنه لم يدع أحد أنه سبحانه مولود لأحد، فكانت دعواهم الولد لله فرية عظمى. اه.
كما قال تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا
[الكهف: 5].
وقوله:
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا
[مريم: 88-91].
فلشفاعة هذه الفرية قدم ذكرها، ثم الرد على عدم إمكانها بقوله:
وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 92-93].
وقد قدمنا دليل المنع عقلا ونقلا.
وهنا سؤال أيضا، وهو إذا كان ادعاء الولد قد وقع، وجاء الرد عليه: فإن ادعاء الولادة لم يقع، فلماذا ذكر نفيه مع عدم ادعائه؟
والجواب والله تعالى أعلم: أن من جور الولادة له وأن يكون له ولد، فقد يجوز الولادة عليه، وأن يكون مولودا فجاء نفيها تتمة للنفي والتنزيه، كما في حديث البحر، كان السؤال عن الوضوء من مائة فقط، فجاء الجواب عن مائه وميتته، لأن ما احتمل السؤال في مائه يحتمل الاشتباه في ميتته. والله تعالى أعلم.