وهناك مسألة: وهي أن العبد يعمل العمل لله خالصا، ثم يطلع عليه بعض الناس، فيحسنون الثناء عليه فيعجبه ذلك. فلا خوف أنه ليس من الرياء في شيء لما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه،
" أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يعمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال صلى الله عليه وسلم " عاجل بشرى المسلم "
رواه مسلم.
وقد ذكر بعض العلماء: أن من كان يعمل عملا خفيا، ثم حضر الناس فتركه من أجلهم خشية الرياء، أنه يدخل في الرياء، لأنه يضعف في نفسه أن يخلص النية لله، وفي هذا بعد ومشقة.
أما منع الماعون وإعطاؤه، وهو العارية كما تقدم.
فإن مبحث العارية في ناحيتين: ما هي العارية، والثاني: حكمها أواجب أم مباح، وحكم ضمانها مضمونة أم لا؟
أما تعريفها عند الفقهاء: هي إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال، مع بقاء عينه.
وقولهم مع بقاء عينه: كالقدر والفأس والإبرة والمنخل، ونحو ذلك، بخلاف ما يكون إتلافه في استعماله، كالشمع للإضاءة، والزيت للدهن، والكحل للاكتحال، ونحو ذلك، مما تنفذ عينه باستعماله، فلا يكون عارية، ولكن يكون قرضا، والقرض يكون معاوضته بمثله.
أما حكم العارية. فقيل: جائز.
وقيل: بل واجب.
وقيل: مستحب.
وحكى ابن قدامة الإجماع على استحبابها، ودليل من قال بالوجوب بنص الآية: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ [الماعون: 7]، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في حق الإبل لما ذكر الزكاة
" وأن حقها إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحه لبنها، يوم ورودها ".
والواقع أن هذا الحديث ذكر فيه ما ليس بعارية قطعا، مثل طرق الفحل ومنح اللبن، مما يضعف الاستدلال به.
وقد ساق المجد في المنتقى برواية أحمد ولهم.
أما الوعيد في الآية فقالوا:هو منصب على الصفات الثلاث: السهو عن الصلاة، والرياء في العمل، ومنع الماعون جميعا، ومن اتصف بواحدة فله قدره من الوعيد بحبسه.
وأقل ما يقال فيها ما جاء في قوله تعالى:
وتعاونوا على البر والتقوى
[المائدة: 2]، والحديث الصحيح في حق الزكاة،
" لما ذكر صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة والإبل والبقر والخيل، وقال: " ولا ينسى حق الله في ظهرها ".
ثم سئل عن الحمر، فقال: " لم أجد إلا الآية الشاذة الفاذة: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ﴾ [الزلزلة: 7] ".
وإعارة المتاع إباحة المنفعة وهي خير كثير.
والحديث الآخر:
" لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس ".
ونقل الشوكاني عن الكشاف قولا: أنها تكون واجبة عند الاضطرار، وقبيح في غير الضرورة مروءة. اه.
والضرورة: مثل الدلو إذا وردت الماء دلو معك، وفي اضطرار إلى الماء.
وقياس الفقهاء: أنه لو تلف شيء بسبب ذلك لضمن المانع.
كما قالوا في الامتناع في بعض الصور: هل هو فعل أو ترك؟ مثل من كان عنده خيط، واحتيج إليه في خياطة جرح إنسان، أو قطنة فمات، فهل يعد ترك إعطاء الخيط مجرد ترك لا يؤاخذ عليه، أو يعتبر فعلا لأنه تسبب عنه موت إنسان.
ومثله منع الدلو ليروي أو يسقي إبله أو يشرب هو؟
والصحيح عندهم: أن الترك في مثل هذه الحالة يؤاخذ عليه مؤاخذة الفعل، كما قال صاحب مراقي السعود.
والترك فعل في صحيح المذهب
وهنا ما يشهد له الاستعمال العربي الصحيح، كما قيل في بناء المسجد:
لئن قعدنا والنبي يعمل
لذاك منا العمل المضلل
فسمي القعود عن العمل عملا مضللا، فتحصل من هذا أن العارية مستحبة شرعا ومروءة وعرفا في حالة الاختيار، وواجبة في حالة الاضطرار، مع ملاحظة أن حالات الاستعارة أغلبها اضطرار، إلا أن حالات الاضطرار تتفاوت ظروفها.
وقد امتدح الله الأنصار بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فالعارية من باب أولى، لأنه ينتفع بها وترد لصاحبها.
وقد امتدح الشاعر القوم بعدم منعهم الماعون، بقوله:
قوم على الإسلام ولما يمنعوا
ماعونهم ويضيع التهليلا
وإن كان بعض الناس حمل الماعون هنا على الزكاة، ولكن قول الشاعر: قوم على الإسلام، يتضمن إخراجهم الزكاة ضمن إسلامهم، فيكون الباقي امتداد حالهم في خصوص الماعون.