تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها: كل رذيلة. منكرة، فهي إذن سياج يصونه عن كل رذيلة. وهي عون على كل شديدة، كما قال تعالى:

واستعينوا بالصبر والصلاة

[البقرة: 45]، فجعلها قرينة الصبر في التغلب على الصعاب، وهي في الآخرة نور، كما قال تعالى:

يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم

[الحديد: 12]، الآية، مع قوله صلى الله عليه وسلم:

" إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء ".

وقوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ ، قيل: في الماعون الزكاة لقلتها، والماعون: القليل، والماعون: المال في لغة قريش.

وقيل: هو ما يعين على أي عمل، ومنه الدلو والفأس والإبرة والقدر. ونحو ذلك.

وإذا كان السهو عن الصلاة يحمل على منع الماعون، فإن من يمنع الماعون وهو الآلة أو الإناء يقضي به الحاجة ثم يرد، كما هو بدون نقصان، فلأن يمنع الصدقة أو الزكاة من باب أولى.

ومن هنا: لم يكن المنافق ليزكي ماله ولا يتصدق على محتاج، بل ولا يقرض آخر قرضا حسنا. ولذا نجد تفشي الربا في المنافقين أشد وأكثر.

وهنا يأتي مبحثان:

الأول منهما: حكم الرياء وما حده؟

والثاني: حكم العارية.

أما الرياء: فقيل وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمد عليها، وقد جاء في الحديث تسميته الشرك الخفي:

" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، قالوا: وما الشرك الخفي يا رسول الله؟ قال: الرياء، فإنه أخفى في نفوسكم من دبيب النمل ".

وجاء قوله تعالى:

فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا

[الكهف: 110].

وبيان الشرك فيه أنه يعمل العمل مما هو أصلا لله، كالصلاة أو الصدقة أو الحج، ولكنه يظهره لقصد أن يحمده الناس عليه.

فكأن هذا الجزء منه مشاركة مع الله، حيث أصبح من عمله جزء لطلب الثناء من الناس عليه.

وقد جاء حديث أبي هريرة عند مسلم: يقول الله تعالى:

" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معي غيري تركته وشركه ".

أما حكم الرياء في العمل، ففي هذا النص دلالة على رد العمل على صاحبه، وتركه له.

فقيل: إنه يكون لا له فيه، ولا عليه منه.

فقيل: لا يخلو من ذم، كما حذر الله تعالى منه بقوله:

ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس

[الأنفال: 47].

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به "

رواه مسلم.

والتسميع: هو العمل ليسمع الناس به كما في حديث الوليمة

" في اليوم الأول والثاني والثالث سمعة. ومن سمع سمع به ".

فالرياء مرجعه إلى الرؤية، والتسميع مرجعه إلى السماع.

ومعلوم أنها نزلت في قريش يوم بدر، وقد أحبط الله عملهم، وردهم على أعقابهم.

وفي حديث أبي هريرة، وقيل: إنه محبط للأعمال لمسمى الشرك لقوله تعالى:

إن الله لا يغفر أن يشرك به

[النساء: 48].

وأجيب: بأنه يحبط العمل الذي هو فيه فقط، فإن راءى في الصلاة أحبطها ولا يتعدى إلى الصوم، وإن راءى في صلاة نافلة لا يتعدى إحباطها إلى صلاة فريضة، وهكذا، قد يبدأ عملا خالصا لله، ثم يطرأ عليه شبح الرياء، فهل يسلم له عمله أو يحبطه ما طرأ عليه من الرياء؟

فقالوا: إن كان خاطرا ودفعه عنه فلا يضره، وإن استرسل معه. فقد رجح أحمد وابن جرير، عدم بطلان العمل نظرا لسلامة القصد ابتداء.

ودليلهم في ذلك: ما روى أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني

" أن رجلا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله تعالى قال: " كلهم إذا كان أصل أمره، أن تكون كلمة الله هي العليا " ".

وذكر عن ابن جرير: أن هذا في العمل الذي يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام.

أما ما كان مثل القراءة والعلم. فإنه يلزمه تجديد النية الخالصة لله، أي لأن كل جزء من القراءة، وكل جزء من طلب العلم مستقل بنفسه، فلا يرتبط بما قبله.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٩٩