تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اقرأ باسم ربك

[العلق: 1]، في ليلة القدر.

وقد أثير حول هذه المسألة جدال ونقاش كلامي حول كيفية نزول القرآن، وأدخلوا فيها القول بخلق القرآن، وأن جبريل نقله من اللوح المحفوظ، وأن الله لم يتكلم به، عند نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد سئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن ذلك، وكتب جوابه وطبع، فكان كافيا. وقد نقل فيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وبين أن الله تعالى تكلم به عند وحيه، ورد على كل شبهة في ذلك.

والواقع أنه لا تعارض كما تقدم، بين كوه في اللوح المحفوظ ونزوله إلى السماء الدنيا جملة، ونزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما، لأن كونه في اللوح المحفوظ، فإن اللوح فيه كل ما هو كائن وما سيكون إلى يوم القيامة، ومن جملة ذلك القرآن الذي سينزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

ونزوله جملة إلى سماء الدنيا، فهو بمثابة نقل جزء مما في اللوح وهو جملة القرآن، فأصبح القرآن موجودا في كل من اللوح المحفوظ كغيره مما هو فيه، وموجودا في سماء الدنيا ثم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما.

ومعلوم أنه الآن هو أيضا موجود في اللوح المحفوظ، لم يخل منه اللوح، وقد يستدل لإنزاله جملة ثم تنزيله منجما بقوله:

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9] لأن نزل بالتضعيف تدل على التكرار كقوله:

تنزل الملائكة

[القدر: 4]، أي في كل ليلة قدر.

وقد جاء ﴿ أنزلناه ﴾ ، فتدل على الجملة.

وقد بينت السنة تفصيل تنزيله مفرقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم. قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير "

الحديث في صحيح البخاري.

وفي أبي داود وغيره

" إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان ".

وعلى هذا يكون القرآن موجودا في اللوح المحفوظ حينما جرى القلم بما هو كائن وما سيكون، ثم جرى نقله إلى سماء الدنيا جملة في ليلة القدر، ثم نزل منجما في عشرين سنة.

وكلما أراد الله إنزال شيء منه تكلم سبحانه بما أراد أن ينزله، فيسمعه جبريل عليه السلام عن الله تعالى. ولا منافاة بين تلك الحالات الثلاث. والله تعالى أعلم.

وقد قدمنا الكلام على صور كيفية نزول الوحي وتلقي الرسول صلى الله عليه وسلم للوحي.

وقيل: معنى ﴿ أنزلناه في ليلة القدر ﴾ ، أي أنزلنا القرآن في شأن ليلة القدر تعظيما لها، فلم تكن ظرفا على هذا الوجه.

والواقع: أن هذا القول وإن كان من حيث الأسلوب ممكنا إلا أن ما بعده يغني عنه، لأن إعظام ليلة القدر وبيان منزلتها قد نزل فيها قرآن فعلا، وهو ما بعدها مباشرة في قوله:

ومآ أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر

[القدر: 2-3]، إلى آخر السورة.

وعليه، فيكون أول السورة في شأن إنزال القرآن وبيان ظرف إنزاله، وآخر السورة في ليلة القدر وبيان منزلتها.

وقد ذكرت ليلة القدر مبهمة، ولكن جاء في القرآن ما يعين الشهر التي هي فيه، وهو شهر رمضان لقوله تعالى:

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

[البقرة: 185].

وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الدخان بيان ذلك، وأنها الليلة التي فيها يبرم كل أمر حكيم، وليست ليلة النصف من شعبان كما يزعم بعض الناس.

وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان الحكمة من إنزاله مفرقا عند قوله تعالى:

كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب

[ص: 29].

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٥٦