ن والقلم وما يسطرون مآ أنت بنعمة ربك بمجنون
[القلم: 1-2]، وعظم المقسم عليه وهو نعمة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالوحي، يدل على عظم المقسم به، وهو القلم وما يسطرون به من كتابة الوحي وغيره.
وقد ذكر القلم في السنة أنواعا متفاوتة، وكلها بالغة الأهمية.
منها: أولها وأعلاها: القلم الذي كتب ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، والوارد في الحديث
" أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب "
الحديث.
فعلى رواية الرفع، يكون هو أول المخلوقات ثم جرى بالقدر كله، وبما قدر وجوده كله.
ثانيها: القلم الذي يكتب مقادير العام في ليلة القدر من كل سنة، المشار إليه بقوله:
فيها يفرق كل أمر حكيم
[الدخان: 4].
ثالثها: القلم الذي يكتب به الملك في الرحم ما يخص العبد من رزق وعمل.
ثالثها: القلم الذي بأيدي الكرام الكاتبين المنوه عنه بقوله تعالى:
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
[ق: 18]، أي بالكتابة كما في قوله:
كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون
[الانفطار: 11-12]، إذا قلنا إن الكتابة في ذلك تستلزم قلما، كما هو الظاهر.
رابعا: القلم الذي بأيدي الناس يكتبون به ما يعلمهم الله، ومن أهمها أقلام كتاب الوحي، الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتابة سليمان لبلقيس.
وقوله تعالى: ﴿ الذى علم بالقلم ﴾ ، شامل لهذا كله، إذا كان هذا كله شأن القلم وعظم أمره، وعظيم المنة له على الأمة، بلى وعلى الخليقة كلها.
وقد افتتحت الرسالة بالقراءة والكتابة، فلماذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعلن عن هذا الفضل كله للقلم! لم يكن هو كاتبا به، ولا من أهله بل هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما في قوله:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2].
والجواب: أنا أشرنا أولا إلى ناحية منه، وهي أنه أكمل للمعجزة، حيث أصبح النبي الأمي معلما كما قال تعالى:
يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة
[آل عمران: 164].
وثانيا: لم يكن هذا النبي الأمي مغفلا شأن القلم، بل عنى به كل العناية، وأولها وأعظمها أنه اتخذ كتابا للوحي يكتبون ما يوحى إليه بين يديه، مع أنه يحفظه ويضبطه، وتعهد الله له بحفظه وبضبطه في قوله تعالى:
سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله
[الأعلى: 6-7]، حتى الذي ينساه يعوضه الله بخير منه أو مثله، كما في قوله تعالى:
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها
[البقرة: 106]، ووعد الله تعالى بحفظه في قوله:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9].
ومع ذلك، فقد كان يأمر بكتابة هذا المحفوظ وكان له عدة كتاب، وهذا غاية في العناية بالقلم.
وذكر ابن القيم من الكتاب الخلفاء الأربعة، ومعهم تتمة سبعة عشر شخصا، ثم لم يقتصر صلى الله عليه وسلم في عنايته بالقلم والتعليم به عند كتابة الوحي، بل جعل التعليم به أعم، كما جاء خبر عبد الله بن سعيد بن العاص " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة، وكان كاتبا محسنا " ذكره صاحب الترتيبات الإدارية عن ابن عبد البر في الاستيعاب.
وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: " علمت ناسا من أهل الصفة الكتابة والقرآن ".
وقد كانت دعوته صلى الله عليه وسلم، الملوك إلى الإسلام بالكتابة كما هو معلوم.
وأبعد من ذلك، ما جاء في قصة أسارى بدر، حيث كان يفادي بالمال من يقدر على الفداء، ومن لم يقدر. وكان يعرف الكتابة مفاداته أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة، فكثرت الكتابة في المدينة بعد ذلك.
وكان ممن تعلم: زيد بن ثابت وغيره.
فإذا كان المسلمون وهم في بادئ أمرهم وأحوج ما يكون إلى المال والسلاح، بل واسترقاق الأسارى فيقدمون تعليم الغلمان الكتابة على ذلك كله، ليدل على أمرين:
أولهما: شدة وزيادة العناية بالتعليم.