أما قبل البعثة، فالعصمة من الكبائر أيضا، يجب الجزم بها لأنه صلى الله عليه وسلم كان في مقام التهيؤ للنبوة من صغره، وقد شق صدره في سن الرضاع، وأخرج منه حظ الشيطان، ثم إنه لو كان قد وضع منه شيء لأخذوه عليه حين عارضوه في دعوته، ولم يذكر من ذلك ولا شيء فلم يبق إلا القول في الصغائر، فهي دائرة بين الجواز والمنع، فإن كانت جائزة ووقعت، فلا تمس مقامه صلى الله عليه وسلم لوقوعها قبل البعثة والتكليف، وأنها قد غفرت وحط عنها ثقلها، فإن لم تقع ولم تكن جائزة في حقه، فهذا المطلوب.
وقد ساق الألوسي رحمه الله في تفسيره: أن عمه أبا طالب، قال لأخيه العباس يوما: " لقد ضمته إلي وما فارقته ليلا ولا نهارا ولا ائتمنت عليه أحدا " ، وذكر قصة بنيه ومنامه في وسط أولاده أول الليل، ثم نقله أباه محل أحد أبنائه حفاظا عليه، ثم قال: " ولم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية، ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون ".
وذكرت كتب التفسير أنه صلى الله عليه وسلم أراد مرة في صغره أن يذهب لمحل عرس ليرى ما فيه، فلما دنا منه أخذه النوم ولم يصح إلا على حر الشمس، فصانه الله من رؤية أو سماع، شيء من ذلك.
ومنه قصة مشاركته في بناء الكعبة حن تعرى ومنع منه حالا، وعلى المنع من وقوع شيء منه صلى الله عليه وسلم بقي الجواب على معنى الآية، فيقال والله تعالى أعلم: إنه تكريم له صلى الله عليه وسلم كما جاء في أهل بدر، قوله صلى الله عليه وسلم:
" لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم "
مع أنهم لن يفعلوا محرما بذلك، ولكنه تكريم لهم ورفع لمنزلتهم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يتوب ويستغفر ويقوم الليل حتى تورمت قدماه، وقال:
" أفلا أكون عبدا شكورا ".
فكان كل ذلك منه شكرا لله تعالى، ورفعا لدرجاته صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء:
" النعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه "
، وهو حسنة من حسناته صلى الله عليه وسلم.
أو أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتد على نفسه بالتقصير، ويعتبر ذنبا يستثقله ويستغفر منه، كما كان إذا خرج من الخلاء قال:
" غفرانك ".
ومعلوم أنه ليس من موجب للاستغفار، إلا ما قيل شعوره بترك الذكر في تلك الحالة، استوجب منه ذلك.
وقد استحسن العلماء قول الجنيد: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو أن المراد مثل ما جاء في القرآن من بعض اجتهاداته صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الدعوة، فيرد اجتهاده فيعظم عليه كقصة ابن مكتوم، وعوتب فيه
عبس وتولى * أن جآءه الأعمى
[عبس: 1-2]، الآية، ونظيرها ولو كان بعد نزول هذه السورة، إلا أنه من باب واحد كقوله:
عفا الله عنك لم أذنت لهم
[التوبة: 43]، وقصة أسارى بدر، وقوله:
ليس لك من الأمر شيء
[عمران: 128]، واجتهاده في إيمان عمه، حتى قيل له:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص: 56]، ونحو ذلك. فتحمل الآية عليه، أو أن الوزر بمعناه اللغوي، وهو ما كان يثقله من أعباء الدعوة، وتبليغ الرسالة، كما ذكر ابن كثير في سورة الإسراء عن الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت، وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلا حزينا، فمر بي أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وقص عليه الإسراء ".
ففيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم فظع، والفظاعة: ثقل وحزن، والحزن: ثقل. وتوقع تكذيبهم إياه أثقل على النفس من كل شيء. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ الذي أنقض ظهرك ﴾ ، أي ثقله مشعر بأن للذنب ثقلا على المؤمن ينوء به، ولا يخففه إلا التوبة وحطه عنه.
وقوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ ، لم يبين هنا بم ولا كيف رفع له ذكره، والرفع يكون حسيا ويكون معنويا، فاختلف في المراد به أيضا.