اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري
[طه: 24-31] إلى آخر السياق.
فذكر هنا من دواعي العون على أداء الرسالة أربعة عوامل: بدأها بشرح الصدر، ثم تيسير الأمر، وهذان عاملان ذاتيان، ثم الوسيلة بينه وبين فرعون، وهو اللسان في الإقناع،
واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي
[طه: 27-28]، ثم العامل المادي أخيرا في المؤازرة،
واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري
[طه: 29-31]، فقدم شرح الصدر على هذا كله لأهميته، لأنه به يقابل كل الصعاب، ولذا قابل به ما جاء به السحرة من سحر عظيم وما قابلهم به فرعون من عنت أعظم.
وقد بين تعالى من دواعي انشراح الصدر وإنارته، ما يكون من رفعة وحكمة وتيسير، وقد يكون من هذا الباب مما يساعد عليه تلقي تلك التعاليم من الوحي، كقوله تعالى:
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
[الأعراف: 199]، وكقوله:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]، مما لا يتأتى إلا ممن شرح الله صدره.
ومما يعين الملازمة عليه على انشراح الصدر، وفعلا قد صبر على أذى المشركين بمكة ومخادعة المنافقين بالمدينة، وتلقى كل ذلك بصدر رحب.
وفي هذا كما قدمنا توجيه لكل داعية إلى الله، أن يكون رحب الصدر هادئ النفس متجملا بالصبر.
وقوله: ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ ، والوضع يكون للحط والتخفيف، ويكون للحمل والتثقيل، فإن عدي بعن كان للحط، وإن عدي بعلى كان للحمل، في قولهم: وضعت عنك: ووضعت عليك، والوزر لغة الثقل.
ومنه: حتى تضع الحرب أوزارها، أي ثقلها من سلاح ونحوه.
ومنه الوزير: المتحمل ثقل أميره وشغله، وشرعا الذنب كما في الحديث:
" ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إل يوم القيامة "
، وقد يتعاوران في التعبير كقوله تعالى:
ليحملوا أوزارهم كاملة
[النحل: 25]، وقوله مرة أخرى
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13].
وقد أفرد لفظ الوزر هنا وأطلق، ولم يبين ما هو وما نوعه، فاختلف فيه اختلافا كثيرا.
فقيل: ما كان فيه من أمر الجاهلية، وحفظه من مشاركته معهم، فلم يلحقه شيء منه.
وقيل: ثقل تألمه مما كان عليه قومه، ولم يستطع تغييره، وشفقته صلى الله عليه وسلم بهم، أي كقوله تعالى:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]، أي أسفا عليهم.
وقال أبو حيان: هو كناية عن عصمته صلى الله عليه وسلم من الذنوب، وتطهيره من الأرجاس.
وقال ابن جرير: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها.
وقال ابن كثير: هو بمعنى
ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر
[الفتح: 2].
فكلام أبي حيان: يدل على العصمة، وكلام ابن جرير يدل على شيء في الجاهلية، وكلام ابن كثير مجمل.
وفي هذا المجال مبحث عصمة الأنبياء عموما، وهو مبحث أصولي تحققه كتب الأصول لسلامة الدعوة، وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثه في سورة طه عند الكلام على قوله تعالى:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121]، وأورد كلام المعتزلة والشيعة والحشوية، ومقياس ذلك، عقلا وشرعا، وفي سورة ص عند قوله تعالى:
وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه
[ص: 24]،
ونبه عندها على أن كل ما يقال في داود عليه السلام حول هذا المعنى، كله إسرائيليات لا تليق بمقام النبوة. 1ه.
أما في خصوصه صلى الله عليه وسلم، فإنا نورد الآتي: إنه مهما يكن من شيء، فإن عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر والصغائر بعد البعثة يجب القطع بها، لنص القرآن الكريم في قوله تعالى:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
[الأحزاب: 21]، لوجوب التأسي به وامتناع أن يكون فيه شيء من ذلك قطعا.