تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

84.4

قيل: ألقت كنوزها وتخلت عنها، ورد هذا بأن ذلك قد يكون قبل الساعة.

وقيل: ألقت الموتى وتخلت عنهم بعد قيامهم وبعثهم من قبورهم فلم يبق في جوف الأرض أحد.

وقوله تعالى: وتخلت: أي بعد أن كانت لهم كفاتا أحياء وأمواتا، وبعد أن كانت لهم مهادا، لفظتهم وتخلت عنهم، وهذا ما يزيد في رهبة الموقف وشدته والتضييق على العباد، والا ملجأ لهم ولا منجى إلا إلى الله، كما قال تعالى:

كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر

[القيامة: 11-12].

84.5

أي كما أذنت السماء، فالكون كله إذن مطيع منقاد لأوامر الله، طوعا أو كرها.

84.6

قيل: الإنسان للجنس وقيل لفرد، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن السياق يدل للأول للتقسيم الآتي، فأما من أوتى كتابه بيمينه، وأما من أوتي كتابه بشماله، لأنه لا يكون لفرد، وإنما للجنس وعلى أنه للجنس فالكدح العمل جهد النفس.

وقال ابن مقبل:

وما الدهر إلا تارتان فمنهما

أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

وقال غيره مشيرا إلى أن الكدح فيه معنى النصب:

ومضت بشاشة كل عيش صالح

وبقيت أكدح للحياة وأنصب

ويشهد لهذا قوله تعالى:

لقد خلقنا الإنسان في كبد

[البلد: 4]، كما قدمنا في محله.

تنبيه

من هذا العرض القرآني الكريم من مقدمة تغيير أوضاع الكون سماء وأرضا، ووضع الإنسان في يكدح إلى ربه كدحا فملاقيه، أي بعمله الذي يحصل عليه من خلال كدحه، فإن العاقل المتبصر لا يجعل كدحه إلا فيما يرضي الله ويرضى هو به، إذا لقي ربه ما دام أنه كادح، لا محالة كما هو مشاهد.

تنبيه آخر

قوله تعالى: ﴿ يأيها الإنسان ﴾ عام في الشمول لكل إنسان مهما كان حاله من مؤمن وكافر، ومن بر وفاجر، والكل يكدح ويعمل جاهد التحصيل ما هو مقبل عليه، كما في الحديث:

" اعملوا كل ميسر لما خلق له "

أي ومجد فيه وراض به، وهذا منتهى حكمة العليم الخبير.

ومما هو جدير بالتنبيه عليه، هو أنه إذا كانت السماء مع عظم جرمها، والأرض مع مساحة أصلها أذنت لربها وحقت، مع أنها لم تتحمل أمانة، ولن تسأل عن واجب فكيف بالإنسان على ضعفه،

أأنتم أشد خلقا أم السمآء

[النازعات: 27]، وقد تحمل أمانة التكليف فأشفقن منها وحملها الإنسان، فكان أحق بالسمع والطاعة في كدحه، إلى أن يلقى ربه لما يرضيه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٤٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٤٧٣