الموضع الرابع في سورة بني إسرائيل
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط
[الإسراء: 29]، أي اعتدال في الإنفاق مع نفسه، فضلا عن غيره، ثم إن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ثم
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق
[الإسراء: 31]، وكلها في مجال الاقتصاد وبعدها
ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
[الإسراء: 32-33].
وقد يكون الباعث عليهما أيضا غرض مالي
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن
[الإسراء: 34]، وهو من أخص أبواب المال.
ثم الوفاء بالعهد ثم
وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا
[الإسراء: 35]، فمع ضروريات الحياة حفظ النفس والعرض والمال يأتي الحفاظ على الكيل والوزن.
الموضع الخامس في سورة الشورى وهو أعم مما تقدم، وجعله مقرونا بإنزال الكتاب في قوله تعالى:
الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب
[الشورى: 17].
وتكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند هذه الآية، بما أشرنا إلى أنه عام، فقال: الميزان هنا مراد به العدل والإنصاف، وأن هذا المعنى متضمن آلة الوزن وزيادة.
وأورد بقية الآيات هنا في مبحث مفصل، فذكر آية الرحمن وآية الحديد، وتكلم على الجميع بالتفصيل.
وفي قوله تعالى في سورة الرحمن:
والسمآء رفعها ووضع الميزان
[الرحمن: 7]، مقابلة عظيمة بين رفع السماء الذي هو حق وعدل وقدرة، والميزان وضعه في الأرض، لتقوموا بالعدل والإنصاف، وبهذا العدل قامت السماوات والأرض.
وفي سورة الحديد اقتران الميزان بإرسال الرسل وإنزال الكتب
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط
[الحديد: 25].
ومعلوم أن الميزان الذي أنزل مع الكتاب هو ميزان الحق والعدل، والنهي عن أكل أموال الناس بغير حق، وعدم بخس الناس أشياءهم.
فكانت هذه الآية أعم وأشمل آيات الوفاء في الكيل والوزن.
بمثابة قوله تعالى:
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل
[النساء: 58].
وقد جمع لفظ الأمانة ليعم به كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه.
وكذلك هنا الميزان مع الكتاب المنزل، وبه يستوفي كل إنسان حقه في أي نوع من أنواع التعامل، فكل من غش في سلعة أو دلس أو زاد في عدد، أو نقص أو زاد في ذرع، أو نقص فهو مطفف للكيل، داخل تحت الوعيد بالويل.
فمن باع ذهبا مثلا على أنه صاف من الغش وزن درهم، وفيه من النحاس عشر الدرهم، فقد نقص وطفف لنفسه فأخذ حق درهم كامل. ذهبا، ونقص حيث أعطى درهما إلا عشر.
ومن باع رطلا سمنا وفيه عشر الرطل شحما، فقد طفف بمقدار هذا العشر لنفسه، ونقص وبخس المشتري بمقدار ذلك:
وهكذا من باع ثوبا عشر أمتار وهو ينقص ربع المتر فقد طفف وبخس بمقدار هذا الربع.
وهكذا في القسمة بين الناس وبين الأولاد، وبين الأهل وكل ما فيه عطاء، وأخذ بين اثنين، الله تعالى أعلم.
ومن باب ما يذكره العلماء في مناسبات السورة بعضها من بعض.
فقد قال أبو حيان لما ذكر السورة التي قبلها مصير الأبرار والفجار يوم القيامة، ذكر هنا من موجبات ذلك وأهمها تطفيف الكيل، وبخس الوزن، وهذا في الجملة متوجه، ولكن صريح قوله تعالى في السورة السابقة
وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت
[الانفطار: 4-5]، فهو وإن كان عاما في كل ما قدمه لنفسه من عمل الخير، وما أخر من أداء الواجبات عليه، فإنه يتضمن أيضا خصوص ما قدم من وفاء في الكيل ورجحان في الوزن، وما أخر في تطفيف في الكيل وبخس طمعا في المال وجمعا للتراث، كما قال تعالى:
وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما كلآ إذا دكت الأرض دكا دكا وجآء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يليتني قدمت لحياتي