ثم إن تقطيب الجبين وانبساط أسارير الوجه لحزن أو فرح، يكاد يكون جبليا مما كان منه صلى الله عليه وسلم، فهو من باب الجبلية تقريبا، كأن المثير له غرض عام من خصوص الرسالة ومهمتها.
ومع ذلك فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان بعد نزولها يقول له:
" مرحبا فيمن عاتبني فيه ربي "
، ويكرمه، وقد استخلفه على المدينة مرتين.
وعلى هذا يكون المراد بهذا أمران:
الأول: التسامي بأخلاقه صلى الله عليه وسلم إلى ما لا نهاية له، إلى حد اللحظ بالعين، والتقطيب بالجبين، ولو لمن لا يراه، كما قال صلى الله عيله وسلم:
" ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين "
وذلك في صلح الحديبية.
والثاني: تأديب للأمة وللدعاة خاصة، في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما علمهم في شخصيته في بر الوالدين، في قوله تعالى:
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما
[الإسراء: 23].
وهذا السياق بكامله من أول السورة إلى قوله تعالى:
كلآ إنها تذكرة فمن شآء ذكره
[عبس: 11-12]، بيان لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يراعي في الدعوة إلى الله غنيا ولا فقيرا، وأن يصبر على ضعفه المؤمنين. لأن الرسالة تبليغ وليس عليه ما وراء ذلك من مسؤولية، فلا يتكلف لهم.
وقد حثه الله تعالى على الصبر مع المؤمنين، لإيمانهم في قوله تعالى:
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 28-29].
ومثله قوله تعالى:
ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين
[الأنعام: 52].
وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، شيء من هذا البيان عند هذه الآية، وبين أن هذا التنبيه قد وقع من نبي الله نوح إلى قومه، حينما ازدروا ضعفة المؤمنين في قوله تعالى:
فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي
[هود: 27] - إلى قوله:
ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون
[هود: 29].
وقد دلت هذه الآية وأمثالها، على صدق مقالة هرقل حينما سأل أبا سفيان، عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم: أهم سادة القوم أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. فقال: هكذا هم أتباع الرسل.
وقال العلماء في ذلك: لأنهم أقرب إلى الفطرة، وأبعد عن السلطان والجاه، فليس لديهم حرص على منصب يضيع، ولا جاه يهدر، ويجدون في الدين عزا ورفعة، وهكذا كان بلال وصهيب وعمار، وهكذا هو ابن أم مكتوم رضي الله عنهم.