تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال بعض العلماء: إن هذا العمل الذي اتخذ حيال القبر الشريف وقبري صاحبيه إنما هو استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم

" اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد "

كما قال ابن القيم في نونيته، وهو من أشد الناس إنكارا على شبهات الشرك كشيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى قال:

فأجاب رب العالمين دعاءه

وأحاطه بثلاثة الجدران

حتى غدت أرجاؤه بدعائه

في عزة وحماية وصيان

وقال صاحب فتح المجيد: ودل الحديث أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو عبد لكان وثنا. ولكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه.

ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها اه.

وهذا الذي قاله حقيقة دقيق مأخذها، لأنه لو لم يكن بعد إدخال الحجرة في مأمن من الصلاة إليه لكان وثنا وحاشاه صلى الله عليه وسلم يكون في حياته داعيا إلى الله وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى يكون قبره وثنا ينافي التوحيد، ويهدم ما بناه في حياته.

وكيف يرضى الله لرسوله ذلك حاشا وكلا. هذا مجمل ما قيل في هذه المسألة.

وجهة نظر

وهنا وجهة نظر، وإن كنت لم أقف على قولها فيها، وهي أن كل نص متقدم صريح في النهي عن اتخاذ المساجد في القبور، بأن يكون القبر أولا ثم يتخذ عليه المسجد، كما جاء في قصة أصحاب الكهف:

قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا

[الكهف: 21] أي أن القبر أولا والمسجد ثانيا.

أما قضية الحجرة والمسجد النبوي فهي عكس ذلك، إذ المسجد هو الأول وإدخال الحجرة ثانيا، فلا تنطبق عليه تلك النصوص في نظري. والله تعالى أعلم.

ومن ناحية أخرى لم يكن الذي أدخل في المسجد هو القبر أو القبور، بل الذي أدخل في المسجد هو الحجرة أي بما فيها، وقد تقدم كلام صاحب فتح المجيد في تعريف الوثن: أنه ما سجد إليه من قريب.

وعليه فما من مصل يبعد عن مكة إلا ويقع بينه وبين الكعبة قبور ومقابر. ولا يعتبر مصليا إلى القبور لبعدها ووجود الحواجز دونه، وإن كان البعد نسبيا. فكذلك في موضع القبور الثلاثة في الحجرة، فإنها بعيدة عن مباشرة الصلاة إليها، والحمد لله رب العالمين.

وأيضا لشيح الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاما في ذلك ملخصه من المجموع جلد 27 ص 323 وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ودفن في حجرة عائشة رضي الله عنها، وكانت هي وحجر نسائه في شرقي المسجد وقبليه، لم يكن شيء من ذلك داخلا المسجد. واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر الصحابة بالمدينة.

ثم بعد ذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مراون بنحو من سنة من بيعته وسع المسجد وأدخلت فيه الحجرة للضرورة.

فإن الوليد كتب إلى نائبه عمر بن عبد العزيز، أن يشتري الحجر من ملاكها ورثة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهن كن توفين كلهن رضي الله عنهن، فأمره أن يشتري الحجرة ويزيدها في المسجد فهدمها وأدخلها في المسجد، وبقيت حجرة عائشة على حالها. وكانت مغلقة لا يمكن أحد من الدخول إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا لصلاة عنده ولا لدعاء ولا غير ذلك. إلى حين كانت عائشة في الحياة وهي توفيت قبل إدخال الحجرة بأكثر من عشرين أو ثلاثين سنة.

وقال في صفحة 328: ولم تمكن تمكن أحدا أن يفعل عند قبره شيئا مما نهى عنه وبعدها كانت مغلقة، إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبنى عليها حائط آخر.

فكل ذلك صيانة له صلى الله عليه وسلم، أن يتخذ بيته عيدا وقبره وثنا. وإلا فمعلوم أن أهل المدينة كلهم مسلمون، ولا يأتي إلى هناك إلا مسلم وكلهم معظمون للرسول صلى الله عليه وسلم، فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم بل فعلوه لئلا يتخذ وثنيا يعبد. ولا يتخذ بيته عيدا، ولئلا يفعل به كما فعل أهل الكتاب بقبور أنبيائهم. انتهى.

وتقدم شرح ابن القيم لوضع الجدران الثلاثة وجعل طرف الجدار الثالث من الشمال على شكل رأس مثلث، وأن المشاهد اليوم بعد ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وجود الشبك الحديدي من وراء ذلك كله، ويبعد عن رأس المثلث إلى الشمال ما يقرب من ستة أمتار يتوسطها، أي تلك المسافة محراب كبير، وهذا كان في المسجد سابقا، أي قبل الشبك. ما يدل على بعد ما بين المصلى في الجهة الشمالية من الحجرة المكرمة وبين القبور الثلاثة، وينفي أي علاقة للصلاة من ورائه بالقبور الشريفة. والحمد لله رب العالمين.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٤٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٤٠١