تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتقدم عن وفاء الوفاء نقله بقوله:

وكان هذا الحكم معلوما عند العامة، حتى قال ابن شيبة: قال أبو غسان: ومما يقوي هذه الأخبار ويدل على تظاهرها في العامة والخاصة، قول عبد الرحمن بن الحكم في شعر له:

فإن أهلك فقد أقررت عينا

من المعتمرات إلى قباء

من اللاتي سوالفهن غيد

عليهن الملاحة بالبهاء

تنبيه

إن قول أنس ليشعر بجواز شد الرحل إلى قباء لو كان بعيدا، ولكنه للمعاني في المساجد الثلاثة الأخرى، فلا يتعارض مع الحديث الأول.

تنبيه آخر

أبيات الشاعر تشعر بخطأ التجمع في يوم معين لقباء، واجتماع الرجال والنساء.

تنبيه ثالث

يوجد فرق بصفة إجمالية عامة بين زيارة عموم المقابر لعامة الناس، وخصوص زيارة القبور الثلاثة. إذ الغرض من زيارة عامة المقابر هو الدعاء لها وتذكر الآخر كما قال صلى الله عليه وسلم:

" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة ".

أما هذه الثلاثة المشرفة فلها خصائص لم يشاركها فيها غيرها:

أولا: ومن حيث الموضوع ارتباطها بالمسجد النبوي أحد المساجد التي من حقها شد الرحال إليها.

ثانيا: عظيم حق من فيها على المسلمين، إذ بزيارتهم لا بتذكر الآخرة فحسب، بل ويستفيد ذكريات الدنيا وعظيم جهادهم في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه وهداية الأمة والقيام بأمر الله، حتى عبد الله وحده وعمل بشرعه، فيما يثير إحساس المسلم وجوب تجديد العهد مع الله تعالى وحده على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهدي خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم.

وهذا ما يجعل الإنسان يتوجه إلى الله عقب السلام عليهم بخالص الدعاء، أن يجزيهم على ذلك ما يعلم سبحانه أنهم أهل له.

ثالثا: عظيم الفضل من الله على من سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يرد الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم روحه فيرد عليه السلام، وكل ذلك أو بعضه لا يوجد عند عامة المقابر. وهذا مع مراعاة الآداب الشرعية في الزيارة لما تقدم.

مسألة

في هذه الآية الكريمة: ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ﴾ جمع بين مسألتين، فكأن الأولى تدل على الثانية بمفهومها، وكأن الثانية تكون منطوق الأولى، لأن كون المساجد لله يقتضي إفراده تعالى بالعبادة وألا يدعي معه أحد.

أما إفراده بالعبادة، فقد كتب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، على ذلك مبحثا كاملا في سورة الحجرات في مسألة من المسائل على قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون

[الحجرات: 2].

وبين في هذه المسألة ما هو حق لله وما هو حق لرسول الله، ووجوب إفراد الله تعالى بما هو حقه تعالى، وبين فيها آداب السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وضع اليد على اليد كهيأة الصلاة نوع من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى اه.

وأن الجمع هنا بين المفهوم والمنطوق بنفس المفهوم، لما يدل على شدة الاهتمام به والعناية بأمره، وإنه ليلفت النظر إلى ما جاء في الأحاديث الصحيحة من النهي الأكيد والوعيد الشديد بالنسبة لقضية المساجد ودعوة التوحيد، وما كان يفعله الأولون من بناء المساجد على القبور، ويفتحون بذلك بابا مطلا على الشرك.كحديث أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما عند البخاري ومسلم في قصتيهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما شاهدتاه بالحبشة من هذا القبيل، فقال صلى الله عليه وسلم:

" أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ".

وكحديث الصحيحين:

" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "

، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره أي خشية اتخاذه مسجدا ".

حديث الموطأ قوله صلى الله عليه وسلم:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣٩٩