تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسفر إلى مسجده مشروع، لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره، حين كره مالك رحمه الله أن يقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. لأن المقصود الشرعي بزيارة القبور السلام عليها والدعاء لهم، وذلك السلام والدعاء قد حصل على أكمل الوجوه في الصلاة في مسجده وغير مسجده، وعند سماع الأذان وعند كل دعاء. فتشرع الصلاة عليه عند كل دعاء، فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم اه.

وإذا كان هذا كلامه رحمه الله، فإن المسألة شكلية وليست حقيقية. إذ أنه يقرر بأن السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم مشروع وإن كان يزور قبره صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه، وأن ذلك من أفضل القربات ومن صالح الأعمال.

أي وإن كانت الزيارة مقصودة عند السفر.

وإذا كان السفر إلى المسجد لا ينفك عن السلام عليه صلى الله عليه وسلم، والسلام عليه لا ينفك عن الصلاة في المسجد. فلا موجب لهذا النقاش، وجعل هذه المسألة مثار نزاع أو جدال.

وقد صرح رحمه الله بما يقرب من هذا المعنى في موضع آخر من كلامه، إذ يقول في ج 27 ص 342 من المجموع ما نصه:

فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فصلى في مسجده وصلى في مسجد قباء، وزار القبور كما قضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الذي عمل العمل الصالح.

ومن أنكر هذا السفر، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في المسجد، وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده صلى الله عليه وسلم ولا يسلم عليه في الصلاة، بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع ضال، مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لإجماع أصحابه ولعلماء الأمة.

وهو الذي ذكر فيه القولان: أحدهما أنه محرم. والثاني أنه لا شيء عليه ولا أجر له.

والذي يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية يصلون في مسجده صلى الله عليه وسلم ويسلمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق المسلمين. إلى أن قال: وذكرت أنه يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه اه.

فأي موجب لنزاع أو خلاف في هذا القول، فإن كان في قوله رحمه الله فيمن قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في المسجد، وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده صلى الله عليه وسلم في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع.. إلخ.

فمن من المسلمين يجيز لمسلم أن يشد رحله إلى المدينة لمجرد زيارة القبر دون قصد الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم، ودون أن يصلي عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وهو يعلم أن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم بألف صلاة.

فدل كلامه رحمه الله أن زيارة القبر والصلاة في المسجد مرتبطتان ومن ادعى انفكاكهما عمليا فقد خالف الواقع، وإذا ثبتت الرابطة بينهما انتفى الخلاف وزال موجب النزاع. والحمد لله رب العالمين.

وصرح في موضع آخر ص 346 في قصر الصلاة في السفر لزيارة قبور الصالحين عن أصحاب أحمد أربعة أقوال. الثالث منها تقصر إلى قبر نبينا عليه الصلاة والسلام.

وقال في التعليل لهذا القول: إذا كان عامة المسلمين لا بد أن يصلوا في مسجده فكل من سافر إلى قبره المكرم فقد سافر إلى مسجده المفضل.

وكذلك قال بعض أصحاب الشافعي، إلى أن قال: وكذلك كثير من العلماء يطلق السفر إلى قبره المكرم، وعندهم أن هذا يتضمن السفر إلى مسجده، إذ كان كل مسلم لا بد إذا أتى الحجرة المكرمة أن يصلي في مسجده فهما عندهم متلازمان.

وبعد نقله لأقوال العلماء قال ما نصه:

وحقيقة الأمر أن فعل الصلاة في مسجده من لوازم هذا السفر، فكل من سافر إلى قبره المكرم لا بد أن تحصل له طاعة وقربة يثاب عليها بالصلاة في مسجده.

وأما نفس القصد فأهل العلم بالحديث يقصدون السفر إلى مسجدة، وإن قصد منهم من قصد السفر إلى القبر أيضا إذا لم يعلم النهي.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣٩٧