وغير الصلاة يشمل طلب العلم والتجارة والنزهة والاعتبار والجهاد ونحو ذلك، والنصوص في ذلك كله متضافرة.
ففي طلب العلم ما قدمنا من نصوص، وقد رحل نبي الله موسى إلى الخضر، كما قال تعالى:
وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا
[الكهف: 60] إلى قوله:
لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا
[الكهف: 62] إلى قوله:
قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا
[الكهف: 66]. وفي السفر للتجارة قوله تعالى:
وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله
[المزمل: 20] وقوله:
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
[الملك: 15] وغيرها كثيرة.
والسفرة للعبرة قوله تعالى:
قل سيروا في الأرض فانظروا
[النمل: 69].
وقوله
ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون
[الصافات: 136-138].
وقوله
فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 45-46].
فقد أمر الله العباد بالسير ليعقلوا بقلوبهم حالة تلك القرى الخاوية ليتعظوا بأحوال أهلها.
فهذه نصوص جواز السفر لعدة أمور، فيكون من ضمنها السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه. حيث إن السلام عليه صلى الله عليه وسلم المشروعة بلا نزاع، والحالة الثانية: أن يكون النهي عاما لجميع الأماكن في جميع الأمور فلا تشد الرحال قط إلا إلى الثلاثة المساجد وبلدانها الثلاثة.
ولكن لا لخصوص الصلاة فقط، بل لكل شيء مشروع بأصله مما قدمنا أنواعه من طلب العلم والتجارة والعظة والنزهة وغير ذلك، كصوم واعتكاف ومجاورة وحج وعمرة وصلة رحم، ومشاهدة معالم تاريخية ونحو ذلك.
ومن هذا كله السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا شد الرحال إلى المدينة لكل شيء كان منها الزيارة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا معارضة على حالة من الحالتين، ولا يتعارض معهما الحديث المذكور، على أي تقدير المستثنى منه في هذا الحديث.
وجهة نظر
وبالتحقيق في هذه المسألة وإثارة النزاع فيها يظهر أن النزاع والجدال فيها أكثر مما كانت تحتمل، وهو إلى الشكلي أقرب منه إلى الحقيقي. ولا وجود له عمليا.
وتحقيق ذلك كالآتي: وهو ما داموا متفقين على شد الرحال للمسجد النبوي للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتفقون على السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون شد الرحال.
فلن يتأتى لإنسان أن يشد الرحال للسلام دون المسجد، ولا يخطر ذلك على بال إنسان، وكذلك شد الرحل للصلاة في المسجد النبوي دون أن يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يخطر على بال إنسان. وعليه فلا نفكاك لأحدهما عن الآخر.
لأن المسجد النبوي ما هو إلا بيته صلى الله عليه وسلم، وهل بيته إلا جزء من المسجد كما في حديث الروضة
" ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ".
فهذا قوة ربط بين بيته ومنبره في مسجده.
ومن ناحية أخرى هل يسلم أحد عليه صلى الله عليه وسلم من قريب، لينال فضل رد السلام عليه منه صلى الله عليه وسلم، إلا إذا كان سلامه عن قرب ومن المسجد نفسه؟
وهل تكون الزيارة سنية إلا إذ دخل المسجد وصلى أولا تحية المسجد؟
وبهذا فلا انفكاك لشد الرحل إلى المسجد عن زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا لزيارته صلى الله عليه وسلم عن المسجد، فلا موجب لهذا النزاع.
وهنا وجهة نظرأخرى وهي، أن قوله صلى الله عليه وسلم
" ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد عليه السلام "
فإن إطلاقه عن كل قيد من قرب أو بعد مما يدل على العموم من حيث المجيئ للسلام عليه.
فيقال: إن هذه فضيلة عظيمة ولا يتأتى للبعيد تحصيلها إلا بشد الرحال إليها كوسيلة لتحصيلها والوسيلة تأخذ حكم الغاية من وجوب أو ندب أو إباحة، كالسعي إلى الجمعة واجب، لأن أداء الجمعة واجب، وإعداد الثياب الجميلة إليها مثلا مندوب، لأن التجمل إليها مندوب ومثله إعداد الطيب بالنسبة لحضورها.