المبحث الأول
هل الفضلية خاص بالفرض، أم بالنفل؟ اتفق الجمهور على الفرض، ووقع الخلاف في النفل، ما عدا تحية المسجد ركعتين بعد الجمعة وركعتين قبل المغرب.
وأما الخلاف في النوافل الراتبة في الصوات الخمس وفي قيام الليل، وسبب الخلاف هو عموم
" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه "
فمن حمله على العموم شمله بالنافلة، ومن حمل العموم على الأصل فيه قصره على الفريضة، إذ العام على الإطلاق يحمل على الأخص منه وهي الفريضة.
وقد جاء حديث زيد بن ثابت عند أبي داود وغيره
" أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ".
وجاء التصريح بمسجده بقوله:
" صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة ".
وما جاء عن الترمذي في الشمائل ومجمع الزوائد:
" أن عبد الله بن سعد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في بيته والصلاة في المسجد. فقال صلى الله عليه وسلم: " قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون المكتوبة " ".
وفي رواية "
" أرأيت قرب بيتي من المسجد؟ قال: بلى. قال فإني أصلي النافلة في بيتي ".
أقوال الأئمة رحمهم الله، وعلى هذا التفصيل كانت أقوال الأئمة رحمهم الله كالتالي:
قول الإمام أبي حنيفة: إن النافلة في البيت أفضل، وإذا وقعت في المسجد النبوي كان لها نفس الأجر، أي أنها عامة في كل الصلوات.
ولكنها في البيت أفضل هي منها في المسجد.
وعند الشافعي: اختلفت الرواية عنه، فذكر النووي في شرح مسلم العموم. وجاء عنه في المجموع ما يفيد الخصوص وإن لم يصرح به.
والنصوص في صلاة النافلة في البيت عديدة:
ومنها:
" اجعلوا صلاتكم في بيوتكم ".
ومنها
" أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم ".
وذكر القرطبي عن مسلم:
" إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته ".
وعند المالكية يعم الفرض والنفل، واستدل لذلك بأن الحديث في معرض الامتنان والنكرة إذا كانت في سياق الامتنان تعم، أي قوله صلى الله عليه وسلم:
" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه "
، فصلاة لفظ نكرة.
وفي معرض الامتنان والتفضل بهذا الأجر العظيم، فكان عاما في الفرض والنفل، والذي يظهر والله تعالى أعلم لا خلاف بين الفريقين. إذ فضيلة الألف حاصلة لكل صلاة صلاها الإنسان فيه فرضا كانت أو نفلا.
وصلاة النافلة في البيت تكون أفضل منها في المسجد بدوام صلاته صلى الله عليه وسلم النوافل في البيت مع قرب بيته من المسجد، كما أن هذه الفضيلة تشمل صلاة الرجل والمرأة.
ولكن صلاة المرأة مع ذلك أفضل في بيتها منها في المسجد، وهذا هو المبحث الثاني: أي أيهما أفضل للمرأة صلاتها في بيتها أم في المسجد النبوي؟
وهذه المسألة قد بحثها فضيلة الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعيله عند قوله تعالى:
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال
[النور: 36-37].
وأن مفهوم ﴿ رجال ﴾ مفهوم صفة في هذه المسألة، لا مفهوم لقب وعليه فالنساء يسبحن في بيوتهن، وقد ساق البحث وافيا في عموم المساجد وخصوص المسجد النبوي، مما يكفي توسع.
أما المبحث الثالث: وهو هل المضاعفة خاصة بمسجده صلى الله عليه وسلم الذي بناه، والذي كان موجودا أثناء حياته صلى الله عليه وسلم أو أنها توجد فيه وفيما دخله من الزيادة من بعده.
أما مثار البحث هو ما جاء في نص الحديث اسم الإشارة في مسجدي هذا، فقال بعض العلماء: اسم الإشارة موضع للتعيين، وقال علماء الوضع: إنه موضع بوضع عام لموضوع له خاص، فيختص عند الاستعمال بمفرد معين، وهو ما كان صالحا للإشارة الحسية، وهو عين ما كان موجودا زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم أن الإشارة لم تتناول الزيادة التي وجدت بعد تلك الإشارة، فمن هنا جاء الخلاف والتساؤل.