تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها: أنه لا يتعارض مع حديث ابن عمر لأن حديث ابن عمر لم يذكر ألفاظ النداء فيكون الجمع بينهما. إما أن بلالا كان ينادي بغير هذه الصيغة، ثم رأى عبد الله الأذان فعلمه بلالا.

وقد يشهد لهذا الوجه ما جاء عن ابن أبي ليلى قال: " أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وحدثنا أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على الآطام ينادون المسلمين حتى نقسوا أكادوا أن ينقسوا " ، فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قال فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول الناس لقلت إني كنت يقظان غير نائم. فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد أراك الله خيرا فمر بلالا فليؤذن " ، فقال عمر: أما إني قد رأيت مثل الذي رأى ولكني لما سبقت استحييت "

لأبي داود أيضا.

ففيه أنه صلى الله عليه وسلم كان قد هم أن يبث رجالا في الدور، وعلى الأطم ينادون للصلاة، فيكون نداء بلال أولا من هذا القبيل دون تعيين ألفاظ، أما أن يكون نداء بلال الوارد في الصحيح بألفاظ الأذان، الواردة في حديث عبد الله بعد أن رأى ما رآه أمره صلى الله عليه وسلم أن يعلمه بلالا فنادى به، ولا تعارض في ذلك كما ترى.

ومنها أيضا: أن رؤيا عبد الله للأذان لا تجعله مشروعا له من عنده ولا متوقفا عليه، لأنه جاء في الرؤيا الصالحة أنها جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة

وهذا النظم لألفاظ الأذان لا يكون إلا من القسم فهي بعيدة عن الوساوس والهواجس لما فيها من إعلان العقيدة وإرغام الشيطان كما في الحديث:

" إن الشيطان إذا سمع النداء أدبر "

إلخ.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما سمعها أقرها وقال:

" إنها لرؤيا حق "

، أو

" لقد أراك الله حقا "

، فكانت سنة تقرير كما يقرر بعض الناس على بعض الأفعال.

ثم جاء بعد ذلك تعليمه صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة فصار سنة ثابتة، وكان يتوجه السؤال لو أنه لم يبلغه صلى الله عليه وسلم وعملوا به مجرد الرؤيا، ولكن وقد بلغه وأقره فلا سؤال إذا.

ومنها: أن في بعض الروايات أن الوحي قد جاءه به، ولما أخبره عمر قال له: سبقك بذلك الوحي. ذكر في مراسيل أبي داود.

وذكر عن ابن العربي بسط الكلام إثبات الحكم بالرؤيا ذكرهما المعلق على بذل المجهود.

ومنها ما قيل: ترك مجيء بيان وتعليم لأذان إلى أن رآه عبد الله ورواه عمر رضي الله عنهما لأمرين، ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنا مع ذكر الله فيكون مجيئه عن طريقهما أولى وأكرم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يأتيهم من طريقه هو حتى لا يكون عناية من يدعوهم لإطرائه.

وهذا وإن كان متوجها إلا أن فيه نظرا لأنه صلى الله عليه وسلم لو جاءهم بأعظم من ذلك لما كان موضع تساؤل.

من مجموع ما تقدم يكون أصل مشروعية الأذان سنة ثابتة، إما أنه كان قد هم أن يبعث رجالا في البيوت ينادوه، وإما لأنه أقر ما رأى عبد الله فيكون أصل المشروعية منه صلى الله عليه وسلم، والتقرير منه على الألفاظ التي رآها عبد الله.

فضل الأذان وآداب المؤذن

لا شك أن الأذان من أفضل الأعمال، وأن المؤذن يشهد له ما سمع صوته من حجر ومدر. إلخ.

وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم:

" أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة "

وقال عمر رضي الله عنه: لولا الخلافة لأذنت.

وقال صلى الله عليه وسلم:

" الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين "

رواه أبو داود والترمذي، إلى غير ذلك من فضائل الأذان، فقيل: مؤتمن على الوقت، وقيل: مؤتمن على عورات البيوت عند الأذان فقد حث صلى الله عليه وسلم المؤذنين على الوضوء له كما في حديث:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٧٠