وإن زعم الخصم أن القديم متحيز واحد ولا يحاذي إلا جوهرا واحد من العرش؛ فإذا جاز تقديره جوهراً في جهة تحت، لزم تجويز ذلك يمنة ويسرة وفوقاً، وهذا ما لا يجدون إلى التمنع منه سبيلا. وقد قدمنا في ذلك صوراً من الكلام، ثم إذا لزم كونه محاطاً بالجواهر المتراصة التي لا تخلخل فيها، فهذه الأجسام التي تركبت كذلك يجوز تزحزحها لا محالة. ثم إذا تزحزحت، فلا بد من تزحزح ما أحاطت الجواهر به، فإن المتحيز لا يداخل المتحيزات، ولو داخلنا للزم تجزيز تداخل الأجسام كما صار إليه النظاّم. ومساق هذا الكلام يجرّ خصومنا إلى تجويز خروج المتحيز عن حيزه، وهذا يبطل وجوبه ولزمه في وجوده، ولا تخلص للخصم من ذلك. فإن عادوا فناقشوا في جواز احاطة الجواهر به من كل الجهات، عدنا لهم، واتسع عليهم منافذ الكلام. وإنما يدق موقعه عند من لا يحصل، إذا فرض الكلام في وجوب الكون، فهذه أدلة قاطعة في نفي الجهة.
ومما تمسك به أئمتنا، وطمع في التمسك به المعتزلة، وإن لم يستقم لهم، أن قالوا: لو اختص القديم بجهة، لوجب أن يكون اختصاصه بها دون سائر الجهات جائزاً مفتقراً إلى مخصص، وأوضحوا ذلك بأن قالوا: الجهات متساوية الأحكام في حكم جواز الاختصاص بها، فليس تقدير التحيز ببعضها أولى من تقدير التحيز بشائرها، وإذا ثبت جواز الاختصاص، ثبت حدثه، فإن كل جائز حادث. ويجر ذلك إلى تجويز قيام الأكوان الحادثة بذات الرب سبحانه. وقد رأيت كافة الأئمة يصدّرون كثيراً من مسائل العقائد بهذه الدلالة، فلم أجد بداً من بسط القول فيها، وأنا الآن أوجه عليهم طرفاً من الأسئلة المحيلة، وأتقصى عنها مستعينا بالله.
فمما رام به الزائغون قدحاً أن قالوا: قد بنيتم كلامكم هذا على ادعاء تساوى