السؤال الأخير، وذلك أن قائلا لو قال: صحة الرؤية إشارة إلى نفي، والنفي لا يعلل. وهذا مما نستحير الله فيه.
على أنه لو قيل: صحة الرؤية حال، لم يبعد. وقد يشير إليه القاضي في خلل الكلام. والذي ذكره السائل من رجوع الصحة إلى النفي، فيه نظر. وذلك أنه نفي النفي، ونفي إثبات. فإنا بالصحة ننفي الاستحالة، والاستحالة عبارة منبئة عن لزوم الانتفاء. فالصحة رجعت إلى صفة إذا. فهذا أقصى ما يمكن في هذا الفصل.
فصل
[هل يصح تعليل قبول الجوهر للأعراض]
ومما اختلف فيه جواب أهل الحق في تعليله، وترك تعليله: قبول الجواهر للأعراض. فمنهم من علله بتحيزه، ومنهم من أبي التعليل.
وقد ردد القاضي جوابه في كتبه، فتارة يقطع بالتعليل، وتارة يقطع بنفيه، وتارة يجمع جوابيه. والجملة فيه أنا لو لم نحل التعليل بالحال، لم يكن في تعليل قبول الأعراض بالتحيز استحالة. فإنه لا يرد على العليل وجه مما يقدر فساداً إلا ذلك، وفيه بعد. إذ يفضي القول فيه إلى اختلاط العلة بالمعلول، والمعلول بالعلة. إذ ليس التحيز بأن يكون علة في القبول، أولى من أن يكون معلولا به. وقد قال القاضي، رضي الله عنه: هذا مما لا أقطع فيه جوابي. ولا يقوي المتمسك في منع تعليل ذلك بأن يقول القائل: قبول الأعراض من صفات الأجناس، وصفات الأجناس لا تعلل، نحو كون السواد سواد. وهذا فيه ضعف فإنه تمسك بعبارة محضة. إذ كون السواد سواداً، لم يمتنع تعليل، لأن ذلك صفة جنس، وإنما امتنع لدلالة أقمناها، لا نقوم مثلها في تعليل القبول بالتحيز. فتمسكوا بقضايا القضية، وجانبوا التشبث بالعبارات.