وأقل ما يلزمه عليه أن يجعل كل شيء مسمى، علة في تسميته. فأما كون المدرك مدركا، فمقطوع بامتناع تعليله، والدال عليه كالدال على امتناع التعليل في كون المعلوم معلوماً. وليس يجري كون المدرك مدركا مجري صحة كونه مدركا. فافهموا ذلك ترشدوا
فصل
[في أن الفعل الواقع لا يحتاج لعلة]
ومما لا يصح تعليله، وقوع الفعل. إذ لو كان وقوع الفعل معلولا، لافتقر إلى علة. ثم لا يخلو القول في ذلك: إما أن يعلل بذات الفاعل، فيلزم منه أن لا يتقدم الفاعل على فعله، على ما قدمناه في أحكام العلل، وكذلك إن علل بصفة من صفات ذاته. وإن عُلل بمعنى سوى ذات الفاعل وصفاته. لم يخل ذلك المعنى: إما أن يكون حادثاً أو قديماً. فلو كان قديما، استحال كونه علة في حادث لامتناع تقدم العلة على المعلول. ولو كان حادثاً، وكان فعلا مفتقراً إلى التعليل، فيتسلسل ذلك.
والأستاذ أبو بكر قال: الفعل علة في كون الفاعل فاعلا، ولا علة للفعل فيكونه فعلا. وأصله بجره إلى ذلك. فإنه إنما يعول على التسميات في التعليل. وكما أثر-على أصله-الفعل في تسمية الفاعل، فكذلك كون الفاعل فاعلا ينبغي أن يؤثر في تسمية الفعل.
فإن قيل: ألستم قلتم إن الفعل يقع بالقدرة، فهلا جعلتم وقوعه معلولا؟
قلنا: قد قدمنا في ذلك ما فيه غنية، لمّا قلنا: إن من حكم العلة أن لا تسبق معلولها، وليس من شرط القدرة أن تقارن مقدورها الواقع بها. إذ لواجب تقدم القدرة المؤثرة في الأحداث على الحوادث.