فصل
[في الفصل بين الكونين المختلفين والمتماثلين]
قد ذكرنا أن أخص أوصاف الكون اقتضاؤه اختصاص محله بحيز متعين. فإذا أردنا تمييز الكونين المتماثلين عن الكونين المختلفين، كانت عبرتنا في ذلك النظر في أخصر وصف الكون. فكل كونين أوجباً الاختصاص لمكان واحد، فهما متماثلان. وكل كونين تباينا في ذلك، واوجب أحدهما الاختصاص بمكان والثاني الاختصاص بغيره، فهما مختلفان.
وإيضاح ذلك بالأمثلة: أن الجوهر إذا استقر في حين زماناً وتتابعت أكوانه فهي متماثلة من حيث أوجب كل كون ما أوجبه سائر الأكوان. فإذا زال الجوهر إلى مكان آخر، فالكون الذي خصصه به يخالف الأكوان التي خصصته بالمكان الأول.
وذهب بعض من لم يحصل حقائق الأكوان إلى أن الكون في المكان الثاني، يماثل الكون في المكان الأول. وإنما حمله على ذلك تماثل المكانين. فقال مرتباً على ذلك: إذا تحاثل المكانان، تماثل الكونان، فيهما، ولم يوجب تغاير المكانين اختلاف الكونين.
واستشهد في تقدير ما رامه بأن قال: إذا اختلف محل السوادين لم يجب حكم اختلافهما لتغاير محليهما. وهذا باطل، والصحيح الحكم باختلاف الكونين لأن الخلافين: كل شيئين لا يسد أحدهما مسد الآخر. وهذا المعنى متحقق فيما نحن فيه. فإن الكون الذي يوجب اختصاصاً بمكان، لا يوجب اختصاصه بمكان آخر. وقد أطبق المحققون على أن الكون الذي أوجب الاختصاص بالمكان الأول لو أعيد، لأوجب في العود ما أوجبه في البدأة.