فصل
مشتمل على اختلاف المعتزلة في أحكام الأكوان
فمما اختلفوا فيه بقاء الحركة. فالذي صار إليه أبو على الجبائي أن الحركة لا تبقي. وإلى ذلك صار معظم المعتزلة فقال: الحركة هي كون الجوهر في حيز بعد الكون في غيره، ثم كونه في الحيز الثاني لا يبقي زمانين، فإن استقر الجوهر في الحيز الثاني تجدد له سكون في الحالة الثانية، ويقي ذلك السكون إلى أن يطرأ على المحل ضده. فهذا مذهب معظم المعتزلة.
وذهب ابنه أبو هاشم في آخر أجوبته، إلى أن الحركة باقية، فإنه لا معنى لها إلا الكون في المكان الثاني بعد الكون في غيره، والكون في المكان الثاني في الحالة الثانية هو الكون في المحالة الأولى. ولا تخفي أصولنا في ذلك. فإنا نمنع بقاء جميع الأعراض. وإنما ينشأ الاختلاف بينهم من أصل: وهو أن الجبائي وأتباعه صاروا إلى أن الحركة تخالف السكون. وأنكر أبو هاشم ذلك، فقال: الحركة في المكان الأول عين السكون في المكان الثاني، وهذا مذهبنا. ولو كنا من القائلين ببقاء الأعراض، لحكمنا ببقاء الكون في المكان الثاني كما صار إليه أبو هاشم، فهو القياس مع القول ببقاء الأعراض.
وأقصى ما تمسك به الجبائي شيئان: أحدهما: اخلاف المنظرة، وقد سبق الجواب عن ذلك في مسائل التأليف. والثاني: أنه قال: الحركة التي هي كون في المكان الثاني توجب الخروج من المكان الأول وقطعه إلى غيره، والكون الثاني في المكان الثاني لا يوجب ذلك، وهذا من ركيك القول، فإنا أوضحنا فيما قدمنا، أن الخروج غير الدخول. ولا فرق بين قول القائل: الدخول يوجب الخروج وبين قوله: الدخول يوجب الدخول، فلم يتحصل مما قاله شيء إلا أن الكون في المكان الثاني يضاد الكون في المكان الأول. وهذا لمعنى متحقق في الكون الثاني في المكان الثاني تحققه في الأول.